منظومة القيم العليا هي صورة الفرد والمجتمع والدولة كما ينبغي ان يكونوا. جاءت الشرائع السماوية والفلسفات الوضعية من اجل جعل الفرد والمجتمع والدولة في أفضل حالة وصورة اينما وجدت، ومتى ما وجدت. وهذا يعطي البعد او المحتوى التغييري للفرد والمجتمع والدولة لمنظومة القيم العليا. والبعد التغييري يعني ان تكون القيم العليا بمثابة اهداف تسعى البشرية الى تحقيقها، كما يعني ان تكون هذه القيم مؤشرات للسلوك الفردي والجماعي في المجتمعات البشرية. وهذا يعني ان تكون منظومة القيم العليا الإطار الذي تشتغل ضمنه عناصر المركب الحضاري الخمسة وهي: الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. وبناء على هذا يستطيع المفكر ان يتصور مفردات القيم العليا المطلوبة لتحقيق ما تقدم. وقد قام الوحي الالهي، كما قام العقل البشري، بخطوات كبيرة في سرد مفردات منظومة القيم العليا وبيان مضمونها، ثم الدعوة الى الالتزام بها ومراعاتها.

وحينما نطرح فكرة القيم العليا في المجتمع العراقي فانما نقصد بيان ما ينبغي ان تكون عليه الحالة العراقية على مستوى الافراد وعلى مستوى المجتمع واخيرا على مستوى الدولة. فطرحنا ليس كتابا نظريا مثل كتاب "الجمهورية" لافلاطون او غيره مما يماثله، انما هو دليل عمل لتنشئة الافراد وبناء المجتمع والدولة بموجبه، اي بموجب منظومة القيم العليا التي نطرحها.

وفي الوقت الذي يستلهم فيه البحث هذه القيم من الوحي وطروحات العقلائية، ربما ابتداء من مسلة حمورابي وليس انتهاء بكتاب "نظرية في العدالة"، مرورا بالكتب السماوية وخاصة القرآن وما كتبه المفكرون عبر العصور، فاننا في نفس الوقت ننظر الى المجتمع العراقي كما هو الان من اجل تشخيص عيوبه، سعيا الى معالجة هذه العيوب واعادة البناء والتأهيل في ضوء منظومة القيم العليا التي نتبناها. وليس من الصعب رصد حالة المجتمع العراقي منذ قيام الدولة العباسية فيه في سنة ١٣١ هجرية/ ٧٥٠ م الى اليوم، وعلى الاقل منذ سقوط بغداد على يد المغول في عام ١٢٥٨. وتكشف هذه الدراسة عن اصابة المجتمع العراقي بخلل حاد في منظومة القيم الحافة بالمركب الحضاري. وهو الخلل الذي انتج الحالة الراهنة للمجتمع العراقي.

وانا ارى ان كل المجتمعات قابلة للتغيير والاصلاح، وليس هناك مجتمع عصي على الاصلاح، والا لانقرض و استحق الاهلاك من قبل الله. لكن الله كان يرسل انبياءه الى اشد المجتمعات سوءا، الى قوم لوط، والى فرعون، وغيرهما، لان كل المجتمعات قابلة لتلقي الدعوة وان تكون موضوعا للاصلاح والتغيير. وليس المجتمع العراقي شاذا عن هذه القاعدة التاريخية العامة. ينصلح المجتمع بالدعوة، وقوة القانون، وغيرهما من قوى التاثير وادوات التغيير.

ومن اجل تنظيم هذه العملية، فاننا سنحتاج ان نمر بالمراحل التالية:

اولا، تسمية مفردات منظومة القيم العليا. اي مفردات ما ينبغي ان تكون عليه الحالة الاجتماعية. وطبيعي ان تكون كلمة "الانسان" هي المفردة الاولى، بما تتضمنه من كرامة الانسان وحقوقه، وفي المقدمة منها الحق في الحياة، والحق في الحياة الكريمة المرفهة، والحرية والعدالة والمساواة والسلام والتعايش والاحترام والخصوصية والتسامح وغيرها. وعن الارض: حسن استثمارها والتمتع بخيراتها والحفاظ عليها، وعن الزمن: الحرص عليه وعدم اضاعته وعن العلم: طلبه ونشره وعن العمل التسابق في الصالح منه وهكذا. وهذه كلها عناوين يحكم بها العقل العملي.

ثانيا، تعريف مفهوم هذه المفردات وضبط معناها ومصطلحها.

ثالثا، تشخيص مصاديقها. وهي امر يحكم بها العقلاء او الاديان، مع حفظ إمكانية تغيرها من مجتمع الى اخر ومن زمن الى اخر.

رابعا، الاحكام والتشريعات التي توضع من اجل تحقيق القيم. وهذه ايضا قابلة للتغير بتنوع المصاديق واختلاف الزمان والمكان.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق