من المفترض ان يأتي مرشح الإطار التنسيقي المهندس محمد شياع السوادني بنوع جديد من البرامج الحكومية، انطلق في هذه الفرضية من قناعة ان خبرته السياسية والحكومية تمكنه في طرح تصور اخر خارج صندوق البرامج السابقة.

في احد الندوات التي حاضر فيها السوداني أشار الى ان العراق يمتلك 24 استراتيجية وطنية، كتبت من قبل خبراء عراقيين بمساعدة وكالات متخصصة في الأمم المتحدة ما زالت تواجه فجوات التنفيذ، مثل هذا القول يمكن ترجمته في البرنامج الحكومي المقبل لرؤية عراق 2050 في خطط انية عاجلة وفورية التطبيق، وأخرى منظورة خلال عام واحد وثالثة حتى نهاية عمر الحكومة المتوقع لأربع سنوات، ورابعا يقدم مسارات عمل ستراتيجية للحكومات المقبلة في ديمومة تطبيق، واذا ما عملنا ان هذه الستراتيجيات الوطنية تعاملت مع كل مناحي الحياة العامة، مجتمعية واقتصادية وسياسية في اطار التنمية المستدامة، فما مصفوفة تطبيقات هذه الرؤية يمكن ان تطرح في البرنامج الحكومي لمرشح الاطار التنسيقي؟ في هذا السياق يبدو من الممكن طرح الاتي:

أولاً: ثمة تساؤلات كثر سبق وان طرحتها في تحليل الخلل للانتقال الى دولة عراقية حضارية حديثة، تتطلب إعادة صياغة الانتقال من (فكر المعارضة المسلحة) الى فكر (بناء الدولة) هكذا انتقل موقع العراق ما بعد الحرب العراقية الإيرانية من تصنيفات ممتازة او جيدة على اقل تقدير وفق معايير الأمم المتحدة الى أدنى موقع في جداول هذه التقييمات عن حقوق الانسان مثل التعليم، فقد ان تجاوز العراق أواسط السبعينات الامية، عاد العراق ليحتل موقعا بارزا بوجود حوالي 15 مليون امي بين البالغين.

اعتقد هناك ثلاثة جوانب مهمة في هذا الموضوع، الأول وقائعي متراكم، بما نتج عن وقائع سلبية كانت ام إيجابية يمر بها المجتمع العراقي وهو مجتمع زراعي متمدن انتهى بعد تلك الحروب العبثية وفترة العقوبات الدولية الى ترييف المدينة وتمدن الريف، فلا الريف احتفظ بمميزاته وبات مستهلكا أكثر من ان يكون منتجا وحتى إنتاج الحنطة والشعير تباع للدولة بأسعار اعلى من أسعار الاستيراد من دول الجوار مما يخلق ارباكا في العملية التسويقية.

الجانب الثاني يتجسد في تطبيق مسطرة القياس وفق المعايير الدولية عند تحليل مستوى الديمقراطية او الحريات الشخصية في عراق اليوم، الخلل في المركب الحضاري من وجهة نظري المتواضعة ان الأحزاب المسلحة لم تتحول الى (أحزاب دولة) بل بقيت مجرد عوائل لمفاسد المحاصصة حولت مؤثرات ركام الحروب على المجتمع الى حالة استهلاكية تنتفع بها الدول الإقليمية والدولية التي ترتبط بها هذه الأحزاب، وأوضح مثالين على ذلك نصب محطات كهرباء غازية في وقت لا يتوفر الغاز حين التعاقد عليها، المثال الثاني ان منتجات الصناعات الغذائية والزراعية مثل الالبان ومعجون الطماطم والخضروات وغيرها التركية والسعودية والايرانية والسورية والاردنية تغزو الأسواق بأسعار الإغراق السلعي من دون أي موقف يحد من هذا الإغراق، وحينما يجري قياس الأداء الاقتصادي العراقي اليوم وفق معايير التنمية المستدامة ومعدلات الفقر والبطالة والتضخم، يظهر العراق في ادنى المراتب، وذات المعنى للثقة المجتمعية والعلاقات البينية بين الشرائح المجتمعية في (عراق واحد وطن الجميع).

اما الجانب الثالث فيحدد المسؤولية الجنائية بالسلوك السياسي للأحزاب المتصدية للسلطة، فعندما يكرر اتهام المواطن بعدم الفعالية في انتخاب الاصلح عبر التغيير من خلال صناديق الاقتراع، وتلك فرية كبرى يكررها وعاظ سلاطين عوائل استبداد مفاسد المحاصصة فالمواطن - الناخب (منقاد وليس قائداً) من قبل مرجعيات مجتمعية دينية وعشائرية ومصلحية ناهيك عن المنهج الذي تبعته هذه الأحزاب في خلق شرائح طفيلية تقود الجريمة المنظمة حتى انتهى العراق الى ان يكون اكبر مرتعا لتجارة المخدرات تنخر بما تبقى من الثوابت المجتمعية وتطفو بدلا عنها مركبات جديدة للخل في المركب الحضاري.

لذلك لم تظهر في الإحصاءات العراقية ما يقيس أداء الأحزاب وفق معايير الحكم الرشيد وهناك مقياس يصدر عن احد منظمات المجتمع المدني يحاكي هذا المنهج، لكن القائمين عليه لا يتطرقون الى المسؤولية الجنائية للأحزاب المتصدية للسلطة وفق الدستور والقوانين النافذة وتحديدا الفائزين في تمثيل الشعب، واذا ما طبقت هذه المعايير على أداء مجلس النواب في دوراته المتتالية وفق منطوق مركب الخلل في بناء لدولة حضارية حديثة، يمكن ان يحال الاغلب الاعم منهم لمحاكمة جنائية تحاسبهم على القسم الذي يؤكد الحفاظ على المال العام ووحدة الدولة العراقية، فقط هذا الموضوع اذا ما جرى تفعليه يكفي لقياس معدل الفجوة المعرفية بين وقائع مفاسد المحاصصة والخلل في المركب الحضاري.

اما اتهام المواطن العراقي بعدم الفاعلية فهناك ثلاث أسباب مهمة، الأول الانتفاع لتلك الشرائح التي تحولت عبر الخدمة الجهادية وقوانين العدالة الانتقالية الى مناصب السلطة كقوة دفع انتقامية من بقية شرائح المجتمع، الثاني تحول الكثير من القوى المجتمعية لاسيما التي لها نصيب من المشاركة في إدارة السوق العراقي مجبرة الى محاكاة سلاطين مفاسد المحاصصة للحفاظ على امتيازاتهم، والسبب الثالث، شيوع ما عرف بالمقاومة ضد الاحتلال وتحول البعض المطرود شكلا من صفوف هذه القوى الى الجريمة المنظمة جعل الأغلبية الصامتة امام حقيقة انها كانت تواجه جبروت نظام دكتاتوري واحد، فيما تواجه اليوم دولا عميقة متعددة الأطراف، لكل منها جبروته الدكتاتوري.

ثانياً: لعل من ابرز وسائل الانطلاق نحو فضاء رؤية عراق 2050 لبناء دولة حضارية عراقية حديثة، تتمثل في استثمار المتفق عليه في التعديلات الدستورية وما أشار اليه الدكتور نوفل أبو الشون في دراسته المهمة عن المواد القانونية المطلوب تفعليها ليعالج مشكلة غياب التمثيل الوطني الشامل للاحزاب من خلال تعديل المادة (11/أولا/أ) باضافة عبارة (2000 عضواً من كل محافظة من المحافظات العراقية) بدلاً عن عبارة (2000 عضواً من مختلف المحافظات) .

هذا من شأنه أن يساعد على جعل الاحزاب شاملة لجميع المواطنين، بغض النظر عن الدين، الطائفة، القومية، الأثنية، كما هو منصوص في المادة (5 اولاً من نفس القانون الحالي)، بالإضافة لذلك يجب منع الاحزاب المحلية (التي لها ليس لها تمثيل في جميع المحافظات) من الاشتراك في الانتخابات الاتحادية.

ويجد الدكتور أبو الشون أهمية تعديل المادة 6 ايضاً بإضافة تفصيلات الاليات الديموقراطية لانتخاب القيادات الحزبية لضمان وتشجيع الاندماج المجتمعي (النساء والشباب والاقليات) وتمكينهم من تولي المواقع القيادية الحزبية بطرق ديموقراطية، فضلا عن تقييد الشروط التي تمكن للقادة السياسيين البقاء طويلاً في السلطة، وإضافة فقرة للمادة 39 /رابعاً تلزم ديوان الرقابة المالية بنشر التقرير الختامي عن الاوضاع المالية للأحزاب والمرسل لمجلس النواب والوزراء ودائرة الاحزاب ليكون متاحاً للجميع.

وضمن هذا الاطار، يؤكد على أن تلزم دائرة شؤون الاحزاب والتنظيمات السياسية في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، المشكلة بموجب المادة 17، بنشر جميع تقاريرها التي تقيم الاحزاب من حيث مواردها المالية ومدى امتثالها للقانون.

وهذا يحتاج، أيضا من وجهة نظر الدكتور ابو الشون التي اتفق معه كليا، اهمية التطبيق الصارم لقانون الاحزاب السياسية وتنفيذه لمعالجة المشاكل الرئيسية في النظام السياسي الحالي:

- لنزع سلاح الاذرع العسكرية للأحزاب وفك الارتباط بين السلاح والسياسة يتم تطبيق المواد (8/ثالثاً) و(9/خامساً) و(10/ثالثا) و(25/رابعاً) و(32/أولاً/ج,د,هـ,و) و(47) و(52).

- لمنع تداخل المؤسسات الحزبية في دوائر الدولة العامة، والقضاء والهيئات المستقلة وأجهزة إعلام الدولة يتم تطبيق المواد (9/خامساً) و(10/ثالثا) و(23/ثانياً) و(24/خامساً) و(25/رابعاً) و(28/ثانياً/ب) و (51.

- لضمان الآليات الديموقراطية في اختيار القيادات الحزبية يتم تطبيق المواد (6) ولشفافية القرارات تطبق المادة (26/اولا/ج وثانياً).

- لمنع تأثير المال السياسي والفساد يتم تطبيق المواد (28/ثانياً/ب,ج) و(33, 36/ثانياً) والمواد 37, 38, 39, 40,41, 49.

- لتشجيع شفافية الموارد والمصارف، ينشر التقرير السنوي للحسابات لكل حزب قبل وبعد تدقيقه من ديوان الرقابة المالية وفقاً للمادة (39/ثالثاً) وتطبيق المادة (26 /اولا/د, هـ).

- لتفعيل المادة (32/أولاً) المتعلقة بحل الأحزاب المخالفة للقانون، كذلك تشجيع اقامة الدعاوى القضائية عليها من المواطنين (مادة 32/أولاً/2) ومنظمات المجتمع المدني، والادعاء العام، وهيئة النزاهة لفرض رقابة مجتمعية وقضائية على الاحزاب وعلى الدوائر المعنية بمتابعة سلوك هذه الاحزاب كدائرة الاحزاب (مادة 17/ثالثاً)، لضمان مأسستها وشفافيتها، ومنع تغولها على الدولة ومؤسساتها (مادة 17/ثانياً/ ج, د, هـ, و).

ومن وجهة نظر متواضعة، اجد تضمن البرنامج الحكومي المقبل مثل هذه الأفكار وطرحها على مجلس النواب الحالي لتعديل قانوني الانتخابات والأحزاب يمكن اعتبارها مهمة مطلوبة للخروج من حالات الانسداد للعملية السياسية ما بعد كل دورة انتخابية.

ثالثاً: ربما هناك من يقول ان ضرورات ملحة عاجلة في الجانب الاقتصادي، تمس معيشة المواطن مثل ارتفاع التضخم وهبوط القيمة الشرائية للدينار العراقي مقابل استيراد المواد الغذائية بالدولار الأميركي بعد تعديل الحكومة سعر بيع الدولار عبر نافذة البنك المركزي من 118.000 دينارا لكل مائة دولار الى 148.000 دينار عراقي، اتفق مع هذه الضرورات الملحة ولكن من دون إعادة رسم مسارات العملية السياسية برمتها، لن تكون هناك اية فرضيات للإصلاح الاقتصادي المنشود التي يمكن إعادة النظر في تلك الستراتيجيات الوطنية لإعادة احياء دور القطاع الخاص في توليد فرص العمل على خط مواز لفرص العمل الحكومية وبذات الامتيازات لاسيما تعديل بعض القوانين مثل قانون الضمان الاجتماعي والصحي، ليكون موظف القطاع الخاص بذات امتيازات موظف القطاع العام، وإتاحة الفرص الكفيلة بظهور قطاع خاص يعمل بعقلية ابتكارية لا تعتمد على ضخ الأموال من قبل الدولة، والتحول من الاستيراد الى الإنتاج، ربما تجعل من تطوير برنامج "تمكين" الذي ينهض به البنك المركزي العراقي من خلال ضخ 5 ترليونات دينار سنوياً كقروض ميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ما يجعل توليد فرص العمل اكثر قدرة للقطاع الخاص، ومعالجة الترهل الوظيفي في القطاع العام .

هذا التحول المفترض في رؤية نموذج لـ (اقتصاد السوق الاجتماعي) الذي سبق وان كتبت وكتب عنه الكثير من اهل المعرفة العراقيين، يتطلب ان يظهر في مفردات البرنامج الحكومي المقبل، عندها تدور مسبحة الإجراءات العكسية، ان صح القول، في التطبيقات الحكومية من حالة انتظار الخريجين للوظائف الحكومية في الذهاب الى خلق فرص العمل من قبل القطاع الخاص.

عندها وعندها فقط، يمكن القول ان شخص المرشح المناسب لرئاسة مجلس الوزراء المرتقب، سيصاحبه برنامجا حكوميا يبدأ في بلورة تطبيقات رؤية عراق 2050، وإقرار مثل هذه الرؤية من قبل مجلس النواب الحالي، سيجعل أي برلمان عراقي مقبل ما بعده ملتزما بتطبيق هذه الرؤية، لعل وعسى، ان تبدأ خطوات حقيقية لرؤية دولة عراقية حضارية حديثة.. ويبقى من القول لله في خلقه شؤون.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق