بدأ مفهوم السيادة بالتعريف الاصطلاحي السياسي له بأنه السلطة العليا للدولة وتفرع عليه مبدأ الطاعة للسلطة السياسية، وهو يبدأ بمفهوم سيادة القانون الذي أسس له وابتكره أرسطو، ومن ثم ضمّنته نظريات العقد الاجتماعي في عصر التنوير الأوربي واعتبرت السلطة التي تنتج عن تنازلات فردية واجتماعية – نظرية تمنح ضمنا حق السيادة للسلطة السياسية، وهنا تكمن مشروعيتها التاريخية وشرعيتها القانونية، ولم تكن تلك التنظيرات الأولى الإرسطية والثانية التنويرية الضمنية في السيادة تناقش او تتناول مسألة السيادة على مستوى العلاقات الدولية، فقد تبلورت واقتصرت على مناقشة علاقة المواطن بالدولة وهي العلاقة المارة عبر الطاعة لدى أرسطو والتعاقد لدى التنويريين الأوربيين.

لكن بدا مفهوم السيادة تاريخيا كأحد واهم شروط العلاقات الدولية مع معاهدة وستفاليا في العام 1648م، بعد ان رسمت هذه المعاهدة قواعد العلاقات الدولية بين ممالك ودول أوربا، واعترفت بحدود الممالك والدول المشاركة في هذه المعاهدة، مما شكل أساس سيادة هذه الدول على أراضيها، وبهذا انتقل مفهوم السيادة من مجاله التداولي في العلاقة بين السلطة السياسية والمواطن الى مجال تداولي آخر هو الجغرافيا السياسية الذي تقترن فيه الدولة بالأرض المحددة لها وبالحدود المعترف بها رسميا ودوليا، مما جعل الدولة ذا شخصية اعتبارية وقانونية تستوجب في مشروعيتها اعتراف الدول الأخرى بها، وهو اعترافا رسميا - تبادليا بين الدول والأمم التي تشكلت في أعقاب حرب الثلاثين عاما وفي أعقاب معاهدة وستفاليا في أوربا، وقد أنهت تلك المعاهدة ظاهرة الحروب الدينية- المسيحية التي هيمنت على تاريخ أوربا في العصر الأوربي الوسيط وأدخلت أوربا في بدايات العصر الحديث.

وكان يتزامن ذلك مع ظهور الطبقة البرجوازية في أوربا والتي استغلت بنود ومعاهدة وستفاليا فأرست قواعد الدولة القومية او الدولة الحديثة، وقد نصت معاهدة وستفاليا على حرية الممالك والدول والشعوب في اختيار مذاهبها المسيحية ودون تدخل سياسي او عسكري من جانب الممالك والدول التي تدين مسيحيا بمذهب أخر سواء كاثوليكي أو بروتستانتي وبذلك أوصدت الباب امام الحروب الدينية التي أنهكت أوربا كثيرا، ومَنعُ هذا التدخل ذي الصبغة والهوية الدينية أرسى بقوة مبدأ السيادة للدولة الحديثة في أوربا، وشكّل القاعدة الأساسية في العلاقات الدولية منذ تلك اللحظة التاريخية.

ورغم أن الحروب لم تتوقف ومحاولات الاستيلاء على أراضي الغير لم تسكن في أوربا بعد هذه المعاهدة ووصولا الى النصف الأول من القرن العشرين بل وبأخطر منها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلا أن صيغ الاحتجاج السياسي والقانوني في أوربا ظل يستند دائما الى بنود وفقرات تلك المعاهدة الأوربية لا سيما في ما تعلق منها بمبدأ السيادة.

وقد تنبهت دول وأمم أوربا بعد الحرب العالمية الأولى الى خطورة المستقبل السياسي والتاريخي لها مع التجاوزات المتكررة من داخل اوربا على مضامين وبنود معاهدة وستفاليا وعلى مبدأ السيادة من خلال الحرب، فأجمعت على تقنين مباديء العلاقات الدولية من خلال إنشاء عصبة الأمم المتحدة في العام 1919م، وكانت اهداف العصبة الدولية في منع الحرب وضمان الأمن المشترك الذي يكفل مبدأ السيادة وتسوية المنازعات عن طريق المفاوضات والتحكيم الدولي وهو ما تضمنه ميثاق عصبة الأمم المتحدة، ثم أعقبها ميثاق الأمم المتحدة في العام 1945م، والذي نص في ديباجته على مقاصد الأمم المتحدة في حفظ الأمن والسلام الدولي وأن تقوم هيئة الأمم المتحدة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، ومنعت في هذا الميثاق أي تسويغ للأمم المتحدة أن تتدخل في ما أطلق عليه الميثاق السلطان الداخلي لدولة ما، كما ورد في الفصل الأول المادة 2 من ميثاق الأم المتحدة، لكنها جعلت وفي هذا الفصل أيضا ثغرة في عدم منافاة تلك المادة مع ما ورد من تدابير القمع في الفصل السابع، وهو الذي وضع من جديد مبدأ السيادة على حافة الخطر.

وإذا كان مفهوم السيادة شغل في تاريخ نشأته ووظيفته مع معاهدة وستفاليا الفصل التاريخي الخاص بأوربا منذ القرن السابع عشر الميلادي، فانه وفي القرن العشرين الميلادي وقبله في التغلغل الاستعماري الأوربي في الشرق قد شغل دول وشعوب آسيا وأفريقيا، وارتهن مبدأ السيادة في هذه الدول الحديثة في دخولها الى العالم الحديث بمباديء الأيديولوجيا السياسية والتحرر في أدبياتها الثقافية والتربوية، واندمجت فكرة السيادة والاستقلال لديها بعناصر الهوية القومية والوطنية.

وكانت حروب القرن العشرين كلها وبمجملها تحدث تحت شعار التحرر والاستقلال ومقاومة المحتل الأجنبي، ولعل أكثر المفردات السياسية والإعلامية المتداولة في أدبيات هذه الحروب العشرينية هما لفظ المحتل والاستقلال واقتران كلا اللفظين أو المفردتين بعضهما ببعض في تلك الأدبيات، إنما يعكس أهمية وحجم الوعي بمبدأ السيادة والاستقلال في الذهنية السياسية والوطنية لدى الدول والشعوب في القرن العشرين.

لقد كان في الحقيقة قرنا استثنائيا في التاريخ السياسي والعسكري للدول والشعوب التي نشأت وتكونت لديها الهوية الوطنية على أسس مبدأ السيادة والاستقلال التام لا سيما في آسيا وأفريقيا، وكان التحول التاريخي نحو المفهوم القانوني والسياسي لمبدأ السيادة يشكل أحد أهم خصائص القرن العشرين التاريخية والسياسية، وكم تغنت دول وشعوب العالم الحديث بحروبها وأمجادها العسكرية وأطلقت على حروبها تلك اسم حروب التحرير وحروب المقاومة، وجندت مؤسساتها الثقافية والتربوية باتجاه تطوير العقيدة الوطنية نحو الهوية الوطنية التي تعتبر الركن الأساس في مبدأ السيادة كأحد أهم شروط الدولة الحديثة الثلاثة وهي الأرض والشعب والسيادة، وقد لعبت الهوية الوطنية دورا أساسيا في إدامة الزخم المعنوي والبشري نحو مفهوم السيادة فكانت الفضاء الذي يتحرك فيه مبدأ الاستقلال التام والناجز على أرض الواقع.

لكن الواقع السياسي في القرن العشرين وسياسة المصالح القومية العليا للدول وللقوى الكبرى وهي الدول الأكثر تطورا اقتصاديا وعسكريا، جعلت من انتهاكات القانون الدولي وانتهاك مبدأ السيادة للدول الأقل قدرات عسكرية واقتصادية أمرا مبررا لدى هذه القوى الكبرى والدول العظمى، وكانت سياسات التحالفات الدولية في القرن العشرين وانقسام العالم الى معسكرين يقودهما فكرين ونظامين متابينين ومتعاديين وهما نظامٌ رأسمالي –امبريالي ونظامٌ شيوعي– أممي، قد جعل مبدأ السيادة والاستقلال التام رهين بالموقف من كلا القطبين مما أفقد الدول الأخرى في آسيا وأفريقيا قدرتها السياسية في اتخاذ القرار المستقل دون استشعار الموافقة من جانب كلا المعسكرين حتى لا تصنف على أحدهما من جانب المعسكر الأخر، وقد لجأت تلك الدول آنذاك الى تأسيس منظمة دول عدم الانحياز وصنفت نفسها على انها عالم ثالث ولا انحياز لديها لأي من المعسكرين الشرقي والغربي، ولكنها في الحقيقية لم تكن تمتلك القدرات السياسية والاقتصادية على تطبيق سياسات عدم الانحياز، وظلت هذه الدول الأفروسيوية تعبر عن علاقتها بأطراف القوى الكبرى بالدول الصديقة ولم تكن تمتلك الجرأة بالتعبير عنها بالحليفة وهو واقع علاقاتها بهذه الدول العظمى.

وقبل ذلك كان حق الفيتو في القانون الدولي الذي منح للدول العظمى تعبير أساسي وضمني عن انتهاك منظم قانونيا ومبرمج سياسيا من جانب القوى الكبرى لمبدأ السيادة للدول الاخرى الأقل نفوذا سياسيا واقتصاديا.

وقد أضافت شبكة الكارتلات الغربية لا سيما الأميركية أو الشركات الكبرى العابرة للقارات تهديدا خطيرا لمبدأ السيادة في الدول التي تنتشر فيها فروع واعمال هذه الشركات الرأسمالية الكبرى، فالحاجة الاقتصادية والعسكرية تدفع هذه الدول الى الخضوع في قراراتها السياسية الى تلك الإرادات الغربية والأميركية السالبة للقرار السيادي والمستقل، وهو ما يشجع سياسات الحصار الاقتصادي التي تفرضها الدول العظمى التي تعود إليها أو تخضع الى قوانينها تلك الكارتلات الاقتصادية العملاقة، وهو ما تحقق فعليا من خلال سياسات الحصار الاقتصادي والصناعي المفروض على عدد من الدول في آسيا لا سيما ايران وكوريا الشمالية وقبلهما العراق.

وإذا كان نظام القطبين أو المعسكرين الشرقي والغربي ومع نظرية التوازن الدولي قد أفسح مجالا محايدا ومحدودا للسيادة التي تمتعت بها عددا من الدول في العالم الثالث، لاسيما تلك الدول التي شهدت أو نفذت سياسات تنموية وأخرى حققت عوائد نفطية واتبعت سياسات ريعية، إلا أنها ظلت رهينة المواقف الدولية السياسية من خلال هيمنة الدول العظمى على المؤسسات والهيئات الدولية العليا مما جعلها تحاصر القرار المستقل والإرادة السياسية المستقلة لدول الحياد الإيجابي كما كان يطلق على دول عدم الانحياز.

وكان الاعتماد على مصادر الطاقة في الدول خارج الحلف الشرقي والذي يطلق عليه حلف وارشو والحلف الغربي الذي يطلق عليه حلف الناتو منح هذه الدول بعضا من السيادة على القرار السياسي الداخلي وأحيانا القرار السياسي الخارجي، إلا ان اعتماد هذه الدول خارج كلا الحلفين على مصادر التكنلوجيا والتقنية الصناعية والعلمية على الدول الكبرى لعب دورا خطيرا في تهديدات الحظر على التزود بها والحرمان من مصادرها وأدواتها المشروطة في النهضة الصناعية والزراعية اليسيرة التي شهدتها عدد من دول آسيا وأفريقيا وكان بإمكانها أن تعزز قدراتها الاقتصادية والسياسية وتوفر لها مجالا حيويا في تحقيق السيادة وإنجاز الاستقلال التام.

إلا ان التطورات الاقتصادية الهائلة والقفزات العلمية والصناعية وهيمنة الدول الكبرى لا سيما الولايات المتحدة على المؤسسات المالية العالمية والبنوك الكبرى ومنها البنوك الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، جعل المسافة فارقة مع الدول النامية في آسيا وأفريقيا وصنعت عجزا ذاتيا في هذه الدول عن مواصلة التقدم الصناعي والاقتصادي فضلا عن المنافسة مع الدول الصناعية وشركاتها الممتدة عبر أصقاع العالم والمؤسسات المالية الكبرى التي تدعمها.

وقد اجتمعت كل تلك العوامل وعلى مدى النصف الثاني من القرن العشرين على تحجيم مبدأ السيادة الذي حافظت به الدول الحديثة النشأة في القرن العشرين على استقلالها وحدودها من التدخلات الخارجية وفروض الوصاية عليها، وكان العامل الأشد خطرا وتأثيرا في تهديد مبدأ السيادة الذي استندت إليه فكرة ونظرية الدولة الحديثة، قد ظهر في العقد الأخير من القرن العشرين ومع إنهيار نظام القطبين الذي كان عاملا أساسيا في التوازن الدولي والحياد الدولي وإمكان إنجاز السيادة والاستقلال التام من خلاله، وقد أدى اختلال هذا النظام وانهياره الى ظهور نظام القطب الواحد وتعزيز الإنفراد الدولي للولايات المتحدة في الهيمنة على القرارات الدولية والإقليمية وحتى المحلية في العديد من الدول في العالم.

وقد مست تلك الهيمنة الأميركية حتى القرارات السياسية والاقتصادية الأوربية وانصياعها الى القرار الأميركي، مما جعل مبدأ السيادة يتراجع على مستوى كل دول العالم في الغرب والشرق، وقد مهدت تلك التطورات الآنفة في نهاية القرن العشرين ونتج عنها في اوائل القرن الواحد والعشرين محاولات أميركية في استلاب كامل للسيادة من خلال التدخل العسكري الأميركي المباشر في بعض الدول، وكان يهدف هذا التدخل الى التوسع في المنطقة وعالم الشرق من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي وضعته إدارة الرئيس بوش الإبن ومجموعة من المستشارين الأميركيين اللبراليين اليمينين.

ومنذ تلك اللحظة وضعت الولايات المتحدة كل إمكاناتها السياسية والإعلامية والعسكرية في مواجهة مبدأ السيادة للدول الأخرى ولم تستثني فيها حتى الدول الكبرى وهي الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وقد أفصحت عن ذلك سياساتها في المواجهة مع الصين وروسيا وكذلك سياساتها مع إيران وكوريا الشمالية، وكذلك ضغوطها على دول أوربا في المواجهة المسلحة غير المباشرة مع روسيا، وقد أخبرت تلك السياسات الإمبريالية للولايات المتحدة الأميركية عن الستراتيجية الأميركية في تقويض مفهوم ومبدأ الدولة الحديثة باعتبارها من نتاج عصر الحداثة الذي تسعى الرؤى والتصورات الغربية ولاسيما الأميركية الى التأكيد على نهاية الحداثة وتجاوز عصرها، وضرورة العبور الى عصر ما بعد الحداثة ومن خلال تقويض الدولة الحديثة التي انتجها هذا العصر الغابر من الحداثة وفق تصورات أو استنتاجات عن مفاهيم ما بعد الحداثة.

وهي واقعة تؤكد أننا وفي الثلث الأول من القرن الواحد والعشرين نكون شهودا على اللحظة الأخيرة في الدولة الحديثة، وهو ما يفسر الى حد كبير وكبير جدا ما أصاب دولتنا العربية من انهيارات واستغلاقات وانسدادات كافة على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والتعليمية والتربوية وأخطرها الانسدادات التنموية التي تجعل دولتنا العربية غير قابلة لتوصيفها بالدولة الحديثة فضلا عن توصيفها بمجرد الدولة أحيانا بعد إن فقدت تطبيقات السيادة وفشلها في الاستقلال التام عن الإرادات السياسية الدولية والإقليمية لا سيما الأميركية والإسرائيلية.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق