تداولت بعض وسائل الاعلام الحزبية مواقف مختلف فرقاء العملية السياسية وهم يتجهون نحو تشكيل حكومة مقبلة باعتبار ذلك هدفا مشتركا لإدارة السلطة لما تبقى من عمر البرلمان الحالي، فيما لم نسمع في بيانات وتصريحات هذه القيادات الحزبية أي تطور منشود للتنمية السياسية اللازمة في الخروج من مستنقع الازمات المتوالدة في كل دورة برلمانية لإدارة السلطة بنظام المحاصصة، فهل المعضلة في شخوص قيادات هذه الأحزاب ام انها في نظام المحاصصة لإدارة السلطة؟؟

لست بصدد تفكيك هذا السؤال لان البعض من قيادات هذه الأحزاب يتعامل بالأبيض والأسود مع إدارة الراي العام، فاذا لم تكن معه فهذا يعني ضده والعكس صحيح، لكن الإجابة الرئيسية تتطلب ان تكون هناك مصفوفة حلول مقترحة للخروج من هذا المستنقع وبداية حقيقية لانفتاح العملية السياسية على الأغلبية الصامتة العازفة عن المشاركة في ديمقراطية الانتخابات، ولعل أبرز ما يمكن طرحه في هذه المصفوفة:

أولا: لابد ان تحدد منهجية المشاورات السياسية تحت رؤية عراق واحد وطن الجميع وليس دول المكونات الحزبية بعناوين قومية او مذهبية، وتلك مسؤولية مناطة بهذه الأحزاب، فان فشلت حتى اليوم في مغادرة التخندق المكوناتي نحو فضاء وطني شامل، فان عمر الحكومة المقبلة سيكون قصيرا وقصير جدا.

ثانيا: من وجهة نظر متواضعة، الخلل ليس في الديمقراطية التوافقية بل في تحوليها الى "مفاسد المحاصصة"، ومعضلة القيادات الحزبية التي اتفقت على تطبيقها لم " تعرقن" أفكار التوافق بفضاء وطني يحافظ على حقوق الكل من اجل الكل، بل اعتمدت نموذجا فجا لتوزيع كعكة السلطة والمال العام بما "شرعن" الفساد وتحول النظام السياسي من خدمة الصالح العام الى مناطق ضيقة محصورة بالأجندات الحزبية فحسب، باعتبار ان النظام الفيدرالي سلطة إدارية في الإقليم او المحافظات غير المرتبطة بإقليم، فيما السيادة الدستورية الكاملة للسلطات الاتحادية، و"عرقنة" الديمقراطية التوافقية، واضحة في متن الدستور العراقي في تشكيل الغرفة التشريعية الثانية" مجلس الاتحاد" التي ما زالت غائبة لذات الأسباب الحزبية، مطلوب ان تطرح هذه المشاورات النموذج المتطور لتطبيقات الديمقراطية التوافقية كبديل مؤقت للوصول الى التعديلات الدستورية المنشودة.

ثالثا: أهمية ان تناقش هذه المشاورات استكمال القوانين، منها قانون المحكمة الاتحادية، بان يكون على سبيل المثال حل الخلافات على خبراء الدين، بإضافة خبراء في الديمقراطية وحقوق الانسان، ما دام النص الدستوري قد احكم سلطة التشريعات بما لا يعارض ثوابت الدين الإسلامي والتزامات العراق في الديمقراطية وحقوق الانسان، هنا يمكن ترشيح شخصيات جامعية لها خبرة فقهية دينية ونشطاء معروفين في الدفاع عن حقوق الانسان على سبيل المثال السيدة هناء ادور ضمن لجنة الفقهاء لمراقبة تطابق نصوص التشريعات الجديدة مع ثوابت الدين الإسلامي الحنيف وأيضا مع ثوابت الديمقراطية وحقوق الانسان.

رابعا: في ذات السياق، يمكن استكمال قانون النفط والغاز وغيره من القوانين العالقة وسط تزاحم الخلافات الحزبية من بينها ملف المادة 140 والمادة 142، واليات ممكنة داخل مجلس النواب لتفعيل واسع لمثل هذه التشريعات وفق البرنامج الحكومي الذي لابد وان يتم الاتفاق عليه، مثال ذلك اليات تطبيق التنمية المستدامة لأهداف 2030 بما يتطلب افقا واسعا خارج تضارب الاختلافات الحزبية، نعم ليس مهمة سهلة، ولكن من الأهمية بمكان ان تكون لها نصيبا وافرا من المناقشات على تجسير الثقة من جديد في برنامج برلماني - حكومي يقدم اليات الحلول الفضلى بدلا من تنازع المصالح الحزبية.

خامسا: من المهم أيضا ان يطرح على بساط النقاش، اليات حوكمة تمنع الفساد وردعه وفقا لمنطوق التزام العراق باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ابرز ما في ذلك شفافية تداول المعلومات التي لابد وان تشمل في البرنامج البرلماني – الحكومي المقبل، تشريع قانون شفافية تداول المعلومات والزام البرلمان وجميع مؤسسات الجهاز الحكومي بما فيها القوات المسلحة بجميع صنوفها ووحداتها نشر المعلومات عن أوجه الصرف وفق أبواب الموازنة العامة واتاحتها للتداول في بيانات رسمية ونشرها على المواقع الالكترونية بما في ذلك المجلس الأعلى للقضاء العراقي وصولا الى تطبيق نظام نزاهة وطني معمول به في الجهاز الحكومي.

سادسا: لعل من اكبر ملفات الاختلاف السياسي تتمثل في تعريف العدو، وهذا يتطلب حوارا مجتمعيا اقتصاديا تشارك به الأغلبية الصامتة من تحت قبة البرلمان،يحتاج الى منهجية جديدة تغادر أسلوب " تبويس اللحى" الى خلق مصالح مشتركة موجودة أساسا وتم تغيبها بأفعال سياسية مرفوضة دستوريا، وهناك مشروع متكامل عن تشكيل مجلس النواب لمجموعة من النخب والكفاءات الاكاديمية والمثقفة بعنوان "مجلس الحكماء للحوار الوطني" يمكن

اعتمادها للخروج بمشروع اعلان دستوري، يعرف العدو ويصمم نموذجا وطنيا للسياسات الاستراتيجية العليا للدولة العراقية في حالة مواقفة الأحزاب المتصدية للسلطة مغادرة إدارة السلطة بنموذج " مفاسد المحاصصة " الى نموذج " عراق واحد وطن الجميع " ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق