لقد غُير تعريف السياسة العام وتم استحداث تعريف آخر ينطبق على السياسة العراقية حصرا، فبدلا من تعريفها بفن الممكن القابل للتحقق، أصبحت فن اقصاء الآخر وقلع جذوره السياسية وعدم القبول بمشاركته الفعاليات المختلفة على المستوى السياسي، فلماذا يحصل ذلك في العراق تحديدا؟

للإجابة على هذا التساؤل، العديد من الأوجه والكثير من التفسيرات التي قد يصعب الخوض فيها، لكن سنركز على سبب نراه الأكثر وقوفا وراء ما يحدث في العراق وتحديدا في السنوات القليلة الماضية التي تعمقت فيها الخلافات وازدادت المشاحنات على المناصب والحصص العامة من الثروات الطائلة في البلاد.

وفي عودة الى اهم الأسباب يمكن القول ان النخب السياسية برمتها لم يتولد لديها الوعي الكافي لاتباع مبدأ قبول الآخر، ويقوم هذا على التراكمات السابقة التي خلفها النظام السابق في نفوسهم، فهم ضحية الاقصاء والتهجير الذي اتبعه صدام حسين بحق الطامعين في الوصول الى السلطة، وجعل من البلدان المتناثرة في ارجاء المعمورة موطنا لهم بعيدا عن وطنهم الام.

أكثر من ثلاثة عقود وجميع المشتركين في العملية السياسية اليوم وعرّابيها هم ممن طالتهم شرارة الهجرة الى الخارج وعيونهم تصبوا الى موطن اجدادهم، ولم يصدقوا بأن يحصل ما حصل في العراق على ايدي قوات التحالف، وعند الحديث مع أحدهم بصورة مباشرة او غير مباشرة يقول ان الحلم الذي كان يراود الآلاف هو الموت على ارض الوطن والدفن في تربته.

ولا تتعدى الامنيات آنذاك هذا الحد، ومن لديه الرغبة الجامحة في العودة لتغيير العملية القائمة يصطدم بأساليب النظام الدموية من اجل تصفية الخصوم، وبالتالي اضطر الى الاعتماد على القوى الخارجية التي لن تقدم شيء دون الحصول على أشياء وهذا ما رأيناه في الواقع، فتخيل عزيزي القارئ ماذا قدم المعارضون العراقيين للجهات الدولية من اجل الإطاحة بنظام صدام!

بعد الدخول الفعلي للقوات الأجنبية دخلت القوى المعارضة الى البلاد واخذت تنخرط في العملية السياسية الواقفة على رجل واحدة في بغداد، اذ لا تزال جميع التحركات السياسية تدار من قبل الجهات الأجنبية او تحت اشرافهم المباشر مئة بالمئة، ولا يمكن لأي شخصية مؤثرة كانت ام لا، فعل شيء او التحرك بتجاه مخالف لرغبة المحتل.

منذ ذلك الحين نشبت الخلافات بين الشركاء السياسيين، فمن يتابع بدقة المراحل التي مرت بها العملية السياسية بعد التغيير لا يمكن ان يجد سوى الاقتتال والصراع على السلطة، وهذه الصراعات هي التي قادت الى جميع النتائج السلبية التي تحملها أبناء الشعب العراقي، فلا تزال القوى تتصارع دون التعلم او محاولة الوصول الى نتيجة مرضية لجميع الأطراف التي يجب ان تتشارك في الحكم كما تتشارك في العيش على ارض الوطن.

وهذا الامر لا يمكن تفسيره سوى ان ثقافة اجتثاث الآخر لا تزال قائمة ومترسخة لدى النخب السياسية وكذلك الاجتماعية، وقد يحتاج الى وقت طويل للتخلص منها، ودليل ذلك الى الآن يُحرم من المشاركة في العملية السياسية او مزاولة وظيفته إذا كان موظفا قديما في زمن النظام السابق، حتى وصل الامر الى تشريع مادة قانونية تحت مسمى اجتثاث البعث، ولك ان تتخيل مدى تجذر هذا المبدأ في العراق وعلى جميع المستويات.

ولا يقف الحد عند ذلك، ففي الدوائر الحكومية تجد عمليات الاقصاء فعالة بمجرد الشعور بأن الموظف سين سيل الى المنصب، وفي نفس الوقت لا نجد من يقف بوجه هذه الظاهرة من الحكماء للتخلص منها، كونها كبدت الشعب العراقي الكثير من الخسائر، وقد تلجأ الجهات المتخاصمة الى أسلوب التصفية الجسدية في حال عدم جدوى الطرق الأخرى كالتهديد او الترغيب.

وعلى مستوى الأحزاب السياسية نجد عمليات التصفية الداخلية موجودة وبشكل واضح، فلو توغلنا في العمق لأي حزب كان، سنجد أعضاء متهادنين، وليس متعاضدين يحملون فكر واحد وهدف كبير يسعون للوصول اليه، ويبقى الشيء الأكثر وقوعا هو محاولة انقضاض أحدهم على الآخر والامثلة على ذلك كثيرة ولا صعوبة في إعطاء نماذج على ذلك من جميع الأحزاب السياسية وكيفية الانشقاقات الحاصلة.

هذه الحقائق أسست الى نظام مرتبك قائم على تصفية الآخر، وقد اوصلنا الى نهاية المطاف باستقالة الكتلة الصدرية من البرلمان بعد اليأس الكامل من التوصل الى حلول مع الشركاء في البيت الشيعي، وبذلك نكون قد دخلنا الى مرحلة الغموض الكلي الذي بموجبه يصعب وضع ملامح المرحلة القادمة من دون تواجد التيار الصدري ذو القاعدة الجماهيرية الواسعة.

التجربة العراقية ربما لا شبيه لها على المستوى الإقليمي والدولي، فلا يوجد من يقصي الآخر بهذه الصورة لو اطلعت على مجمل العمليات السياسية، اذ تجد الدستور يقف فيصلا لمنع الخلافات ويأخذ كل ذي نصيب نصيبه بما لا يتعدى على حقوق المكونات الأخرى او الشركاء، وهذا ما نأمل ان يحصل في العراق الذي دفع الثمن باهظا نتيجة سياسة الاقصاء والتهميش المتواردة.

اضف تعليق