للسلطة عثراتها ومساوئها التي لا تُحتمَل، رغم أنها حاجة لا يمكن الاستغناء عنها، فمع كل كراهية الناس للسلطة بسبب هيمنتها عليهم، لكن لا مجال لإلغائها بشكل كلي من حياة الناس، لاسيما إذا عرفنا بأن السلطة تقوم بإدارة الكثير من الأمور المختلفة في الحياة.

فالسلطة هي التي تتصدى لمهمة تنظيم مختلف شؤون الناس، سواءً كانت إدارية أو اقتصادية أو سياسية، وتضع لها الإطار العملي التنفيذي، وتخطط للمسار الذي تؤدي به هذا العمل أو ذاك، وتهيّئ له الخطوات اللازمة بدءًا من التخطيط ثم التنفيذ وحتى انتهاء الانجاز.

تؤكد شواهد كثيرة بأنه لو لا وجود السلطة، لتحوّلت حياة البشرية إلى فوضى لا يمكن تحمّلها، وهذا يعني أنها حاجة لا يمكن الاستغناء عنها، فمع وجود السلطات المختلفة في العالم أجمع، وبذل الكثير من الجهود لتنظيم العلاقات الدولية، أو العلاقات الداخلية للدول، إلا أننا نلاحظ وجود الكثير من الأزمات والنزاعات التي تعصف بالعالم، ومع ما تقوم به السلطة بمختلف أنواعها من أنشطة تنظيمية وإدارية على مختلف الأصعدة، إلا أن هناك مشاكل كثيرة لا تزال تعصف بالبشر، مما يكشف الوجه المكروه للسلطة.

لكن كراهية السلطة ليست صحيحة دائما، كما أن قبولها ومجاراتها لا يكون صحيحا أيضا في حال تنمّرت وتحولت من مهمة الإدارة والتنظيم، إلى مهمة منبوذة ومحاطة بكراهية الناس، حين تصبح شبحا يطاردهم ويلاحقهم ويقمعهم، ويسلب حرياتهم، ويعتدي على حقوقهم.

ماذا يحدث للعالم بلا سلطة؟

لكن من حقنا أن نطرح هذا السؤال، ماذا لو تخيلنا العالم بلا وجود للسلطة، أو كيف يكون حال الدولة بلا سلطة، وكيف تُدار المؤسسة –أية مؤسسة- بلا سلطة، أو حتى عائلة بلا سلطة؟، هنا الكل سوف يطلق العنان لنفسه، ويتحرك كما يشاء، أو وفق مصالحه وأوامره الذاتية النابعة من نفس منفلتة لا رقيب ولا حساب آني عليها، تُرى ماذا سيحدث؟

أمرٌ محتَّم أن النتيجة سوف تكون الفوضى العارمة، ومن ثم الانهيار بسبب الصدامات والنزاعات بغياب السلطة المنظِّمة للعلاقات والأنشطة المختلفة والموازنة بين المصالح المختلفة، هل يعني هذا أننا نفضّل وجود السلطة على غيابها، ولو طرحنا السؤال بطريقة أخرى، هل ترغب أن تغيب السلطة (مع حدوث الفوضى)، أم أنك ترغب بوجود السلطة مع (التعسف و القهر و الإكراه)، والاستخدام المعيب للصلاحيات الممنوحة للسلطة من قبل عامة الناس؟، هل نكره السلطة إذا كانت عادلة؟

الإجابة قد تختلف من شخص إلى آخر، أو من مجموعة إلى أخرى، ولكن الأمر الواضح هو أن جميع الناس يريدون (سلطة بلا عيوب)، ولا يرغبون بالسلطة مع عيوبها، لأن عيوب السلطة كبيرة في حال وجودها، وهذه العيوب من الممكن أن تحيل حياة الناس إلى جحيم، ما يعني أن السلطة مع عيوبها سوف تؤدي إلى الفوضى أيضا، وهذا يعني أن النتيجة واحدة، سواء بحضور أو غيابها، فالنتيجة كما هو متوقَّع أو منطقي ستكون متشابهة بين غياب السلطة أو حضورها مع عيوبها.

متى تكون السلطة عبئا؟

السؤال الأهم هنا، ما هو أخطر عيب يمكن أن يرافق السلطة ويجعلها محلّ نقد وسخط وكراهية الناس، الجواب: هناك شرط أو معيار مهم وكبير إذا فقدته السلطة في أعمالها وتطبيقاتها وقراراتها وسياساتها، أصبحت عبئا على الناس ومحطّ كراهيتهم، ألا وهو معيار العدالة، فإنْ غاب هذا المعيار عن عمل الحكومة فقدت شرعيتها، واختلَّ توازنها وضاعت هيبتها، وتحولت من عامل منظِّم ومساعد لبناء حياة منسجمة هادئة ومتوازنة، إلى عامل مهشّم ومعطِّل ومدمِّر لحياة الناس، من خلال نشر الفوضى فيما بينهم.

خلاصة الكلام، إن السلطة على الرغم من كونها معرّضة لكراهية الناس عدا المستفيدين منها، إلا أنها تبقى حاجة لا يمكن أن يستغني عنها الناس، ولكن بشرط أن تأتي تحمل معها عيوبها الكارثية لتحكم الناس وتجور عليهم، وتحط من كرامتهم، وتذلهم كما حدث ويحدث في الحكومات القمعية المستبدة، أو الحكومات الفاسدة المنفلتة، لذا حتى تتفادى السلطة كراهية الناس لها، عليها أن تتخلى عن عيوبها، وتأتي بكامل (عدالتها) كي تدير شؤون الناس بشكل متساوٍ عادل صحيح، لا تفضيل فيه لأحد على أحد، ولا لجماعة على أخرى أو لمكوّن على حساب آخر.

وأخيرا فإن غياب العدالة يعدّ من أخطر عيوب السلطة، حيث تغيب عنها الشرعية وتتحول إلى سلطة غاشمة لا يحبها ولا يريدها ولا يؤيدها إلا من يستفيد منها ظلما، وهؤلاء هم النسبة الأقل من الشعب، أما الأكثرية منهم، فإن السلطة تصبح عدوّة لهم لأنها غير عادلة معهم ولا منصفة لهم، وبهذا تفقد شرعيتها، ومن ثم ستفقد حتما هيمنتها وقوتها وقدرتها على حكم الناس بالقوة، وهذا من أخطر وأسوأ عيوب السلطات بكل أنواعها.

اضف تعليق