أصبح مألوفاً الاستماع إلى كلمات النقد القوية من قبل خطباء المنبر الحسيني للمنظومة السياسية الحاكمة، وهذا النقد موجه بالدرجة الأساس إلى القادة السياسيين الشيعة، إذ يتضح من التلميح تارة والتصريح تارة أخرى، فيما ولد ردة فعل بدأت تظهر للعلن على لسان القيادات السياسية الشيعية.

أما في المجالس الخاصة فقد اختفت تماماً فكرة الدفاع عن الحكم الشيعي، وعندما تجالس رجال الدين تسمع منهم الكلام الخشن ضد قادة البلاد ومقارنتهم بفرعون والطغاة السابقين.

ومن خلال خطب المنبر العلنية الناقدة والمجالس الخاصة التثويرية نتفهم حجم الفجوة بين رجال الدين وقادة البلاد السياسيين ولا سيما الشيعة منهم، فهم متهمون (الساسة) بالتقصير وعدم تقديم خدمة تليق بالشعب، فضلاً عن تلطيخ صورة المذهب الشيعي بالفشل وتشويه صورة الدين لدى الناس، إذا ما استرجعنا أيام الحكم الأولى بعد 2003 حيث حكم الساسة الشيعة باسم المذهب ونصرة الدين.

وعلى مستوى المرجعية الدينية العليا فقد كانت مواقفها واضحة في توجيه النقد للقادة السياسيين واعتبارهم أبرز رموز التقصير تجاه الشعب، أغلقت المرجعية أبوابها بوجه الساسة، ولم يتفهمون الرسالة، ثم تبنت خطاباً واضحاً دعا إلى استقالة حكومة السيد عادل عبد المهدي ودافعت عن تظاهرات تشرين المعارضة بشكل أساسي للقادة السياسيين الشيعة.

وربما كان الخطاب المرجعي من خلال خطب الجمعة هو المحفز الأكبر لخطباء المنبر لتوسيع حركة "الاحتجاج الديني"، إن صح التعبير ضد منظومة الحكم السياسية وإعلان القطيعة بين رجال الدين والقادة السياسيين.

مواجهة علنية

على الجانب الآخر تبدو الأحزاب السياسية أكثر حذراً في مواجهة حركة "الاحتجاج الديني"، رغم ما تضمره من رفض لما قيل عنها في خطب الجمعة وما يقال في المنبر الحسيني والقصائد الحسينية التي بدأت تربط بين الفراعة وبني العباس وحكم الطغاة وحكم الأحزاب الحالية، وتساويهم في الفعل والمنزلة الطغيانية.

وحديث المجالس الخاصة هو الممهد للرد العلني، فقد تبلورت أفكار الأحزاب السياسية لمواجهة "الاحتجاج الديني"، حتى ظهرت على ألسنة الساسة.

الرئيس السابق لائتلاف دولة القانون خلف عبد الصمد يعتقد أن المنبر الحسيني قد تغير خلال السنوات الأخيرة، وتسبب في بث الكراهية ضد المسؤولين السياسيين والحكوميين في العراق.

فالمنبر حسب عبد الصمد كان يطرح مفاهيم إسلامية ويعلم الناس الأخلاق، أما الآن فإن أغلب من يصعدون على المنبر لا يطرحون أفكاراً بل ينتقدون الحكومة فقط، لماذا؟ يتساءل عبد الصمد.

ثم يجيب باتهامات مبطنة بتأثير المال والشهرة على خطباء المنبر فيقول: يبدو أن هذا الصاعد على المنبر ويجلس حوله عشرة آلاف شخص والأموال التي يحصل عليها من صاحب الحسينية يختلف عن ذلك الذي يجلس حوله 500 شخص.

اللافت للانتباه أن هذا الكلام يتحدث به رئيس كتلة دولة القانون السابق والقيادي الحالي في حزب الدعوة، كما أن حديثه تم بثه عبر قناة آفاق التابعة للحزب، وتتداوله شخصيات الحزب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يؤكد وجود هذا التوجه لدى الأحزاب الشيعية برفض خطاب المنبر الحسيني واتخاذ قرار مواجهته.

القفز إلى العلمانية

قد يتصاعد خطاب المواجهة، وقد يقف عند هذا الحد، يتوقف الأمر على إصلاح القوى السياسية الشيعية لأخطائها، واستجابتها لما يطلبه خطباء المنبر، فضلاً عن مدى قناعة الخطباء بهذه الإصلاحات إن حصلت فعلاً.

من جانب آخر قد يفتح هذا الصراع البارد نافذة للأحزاب التي تريد القفز من الحصن الديني الآمن إلى فضاء العلمانية الواسع، فإذا أصبح المنبر ناقداً للسياسة لم يعد التمسك بالدين مفيداً في العمل السياسي.

فشلت الأحزاب السياسية الشيعية في إثبات جدارتها في الحكم، والمنبر الحسيني طفح به الكيل فتبرأ منها وانتقدها بشدة، والحرب بين الطرفين صارت علنية، فما الفائدة من التمسك بالدين بعد كل هذا؟

تجرب الأحزاب الشيعية في السنوات الأخيرة الوصفة العلمانية وهي طريقة سهلة لامتطاء الحداثة والإدعاء بالابتعاد عن الفكر القديم.

حزب مثل تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم صار أكثر قرباً من العلمانية وباتت المسافات بينه وبين العلمانية شبه معدومة، فضائية الفرات التي تتبع له صارت أكثر انفتاحاً، تجمع بين حجاب المذيعات ومقدمات البرامج وسفور الضيفات.

والأحزاب التي تنفصل عن القديم لم تعد تؤسس رؤيتها على قاعدة القرب من الدين، إنها تهرب منها بكل ما تملك من طاقة، ويتضح ذلك من خلال تأسيس الفضائيات التلفزيونية، مثل قناة "I NEWS"، الممولة من حركة كتائب سيد الشهداء، فهي أكثر انفتاحاً من قناة الفرات، فإذا كانت الأخيرة تتحفظ بشأن حجاب مذيعاتها، فإن قناة "I NEWS"، لا تجد أي إحراج في ظهور مذيعات بلا حجاب.

وأحدث قناة تلفزيونية شيعية بالمسار المنفتح الجديد هي "الرابعة"، المقربة من حزب الدعوة الإسلامية، فهي لا تقل انفتاحاً عن الفرات و"I NEWS"، ورفيقتهما في الانفتاح قناة "W TV" الشيعية.

من خلال خطاب المنبر نعرف حجم الغضب من قبل رجال الدين ضد الساسة الشيعة، وعبر تتبع الخط الزمني لتطور الخطاب الإعلامي الشيعي نلاحظ كيف قفزت الأحزاب الشيعية من القارب الديني الذي طردوا منه، واقتربت أكثر من سفينة العلمانية الواسعة، فالانفتاح العلماني عملة مطلوبة الآن ويمثل الطريقة الأسهل لمواجهة النقد الديني الجارح.

اضف تعليق