دوامة الازمات السياسية والاقتصادية والخدمية التي لا تنتهي في العراق تعطي دلالة واضحة بان طريقة إدارة الدولة ومؤسساتها قد فشلت في وضع حد لمعاناة الشعب تجاه التحديات الأساسية امامها كالفقر والفساد وسوء التعليم والخدمات والامن وتطبيق النظام وغيرها، وهذا الفشل يقود الباحثين للتنقيب عن الأسباب الكامنة وراء جذور الفوضى التي تعصف بالبلد بعد عقدين من الزمن على إزاحة النظام الدكتاتوري الذي حكم العراق بالحديد والنار وقاده الى الهاوية، خصوصا وان النظام الديمقراطي الذي حل محله (الدستور، طبيعة النظام الجديد، تعدد الأحزاب، الانتخابات) لم يشكل فارقا كبيرا في تغيير الخلل البنيوي لواقعية الحكم او ينجح بتحقيق الاستقرار والازدهار المنشود طوال السنين التي تلت نهاية الحكم الاستبدادي.

في كل الدول المستقرة هناك طرفان أساسيان في معادلة العقد الاجتماعي (الحاكم والمحكوم/ الراعي والرعية/ النظام والمجتمع)، وهذه المعادلة بتفاصيلها هي من تؤمن الاستقرار او الفوضى، وهي من تعطي صورة واضحة عن مدى النجاح والانسجام والتفاهم بين النظام ومؤسساته وبين الشعب بمختلف توجهاته وانتماءاته، فقد يصل هذا العقد الى مستويات عالية من الاحترام والتقديس في بعض الدول المتطورة والمستقرة، بينما لا توجد له أي قيمة او أهمية في الدول الواقعة تحت حكم الاستبداد والتسلط، وفي كلا الحالتين يحكم "مبدأ الثقة" كمعيار أساسي في حفظ قيمة واهمية هذا العقد سواء اكان من الحاكم او المحكوم.

يقول سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي (دام ظله): "التوازن في النفس مهم جدا، كما هو مهم في كل شيء، وكما ان أدنى اختلال في توازن الأشياء قد يؤدي الى تحطمها او خرابها، فكذلك الحال مع النفس، فكل الأشياء تشير الى أهمية التوازن في الأمور التكوينية، وهذا ما يلمسه عامة الناس عادة ويدركونه بسهولة، ولذا التوازن مطلوب في النفس وباقي الأمور المعنوية، بل هو اهم، لان فقدان التوازن في الماديات قد يؤدي الى تلف الابدان، اما في المعنويات فيؤدي الى تلف النفوس، وبالتالي خسارة الدنيا والاخرة".

اذن الفهم الحقيقي لطبيعة الأشياء المادية والمعنوية وادارتها يقوم على نجاح عملية التوازن، فالإصلاح والديمقراطية وحفظ النظام والحرية والتعددية والازدهار، كلها أمور ستبقى مجرد شعارات لا قيمة لها من دون إدارة حقيقية تقوم على التوازن بين كفتي ميزان المادية (بما تمثله من عمل تحقق من خلاله الدولة النجاح على مستوى البنى التحتية والخدمات والمشاريع وغيرها) والمعنوية (بما تمثله من مستوى أخلاقي وثقافي ومعرفي للنظام والافراد، خصوصا وان الاخلاق هي من تؤسس للحضارة والرقي والازدهار)، وبالتالي تنجح في إقامة نظام مستقر يحقق طموحات الفرد ويطبق شعاراته في الواقع ويستمد قوته من ثقة المجتمع به، كما تنجح في إقامة مجتمع متماسك بنسيج اجتماعي متجانس بعيد عن الفوضى والعنف والتخلف.

ان الواقع الذي يعيشه العراق اشبه بما قاله سماحة المرجع صادق الشيرازي: "تقع في الدول الإسلامية مظالم كثيرة فتحدث الثورات، ويظن الناس ان الثورة الجديدة ستخلصهم من المظالم، ولكن بعد فترة ولكثرة المظالم من قبل الحكام الجدد يصل الحال بالناس ان الكثير منهم يرتد حتى عن الدين"، وهو الامر الذي أشرنا اليه في بداية الحديث بدوامة الازمات التي لا تنتهي، لان الازمة لا تولد الا ازمة أخرى، خصوصا إذا رافق الازمة العنف والفوضى او حاول الافراد المتضررين انهاء هذه الازمة عن طريق العنف والفوضى ليجدوا انفسهم في دوامة من الازمات الجديدة وربما الأخطر من سابقاتها.

يلخص الامام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) الطريقة المثلى لإدارة عملية تغيير النظام الفاسد او النظام غير الصالح بطرق الإصلاح والتوازن والتدرج في عملية التغيير نحو الأفضل بقوله: "النظام الفاسد الذي يسود المجتمع لابد وان يخلي مكانه لنظام صالح، وان طال به البقاء، لكن تغير النظام ليس كتقلب الأيام، يدور بنفسه، بل يحتاج الى مصلح قدير، فان خلع العادات عن رقاب الناس ليس سهلا، واجتثاث جذور التقاليد عن الافئدة غير هين، ولذا يعاني المصلح أنواعا من الاذى، ويصب عليه ما لا يتحمل غيره من سياط العذاب، فعلى من يريد الإصلاح، سواء اكان دينيا ام سياسيا ام وطنيا، ان يوطن نفسه على صنوف الالام، واقسام السخرية والاستهزاء، ثم لا يدري بعد هذا وذاك ينجح في حياته ام بعد مماته! ويقدر في احدى الحالتين، ام لا ينال شيئا مما يطلب!

وان فشل المصلح عاجلا لا يضر، بعد العلم بان النظام الصحيح الجاري فعلا من نتائج اعمال المصلحين، وان كان بينهم بعض الفروق بنجاح أحدهم وفشل آخر، فان تاريخ البشرية خيط طويل اشترك في فتله ونقضه انكاثا طائفة لا يستهان بها من المصلحين والمفسدين، وهكذا حتى ينقشع سحاب الفوضى وتجلو شمس النظام ليس عليها غبار".

والخلاصة ان المدخلات الخاطئة لإدارة النظام ومؤسساته في العراق قد أعطت نتائج سلبية تحتاج الى عملية اصلاح للبعض وتغيير للبعض الاخر، وإدارة عملية التوازن بصورة مدروسة وواقعية يمكن تلخيصها على شكل نقاط منها:

1. الاعتراف بوجود مشاكل جوهرية في بنية النظام السياسي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي في العراق من اجل إيجاد الحلول المناسبة لها، خصوصا وان محاولة تصحيح المسارات الخاطئة او البحث عن الحلول للمشاكل المستقبلية أفضل من محاولة حل المشكلات بعد وقوعها.

2. إعادة الثقة وردم الهوة الواسعة بين طرفي العقد الاجتماعي في البلاد، من اجل الوصول الى الهدف المنشود، الدولة تحتاج الى الافراد والعكس صحيح، فلا يمكن تحقيق النجاح بطرف واحد، خصوصا مع غياب الثقة والتفاعل والاحترام بين الطرفين.

3. السعي لتحقيق التوزان الحقيقي (المادي والمعنوي)، ففي الوقت الذي تباشر به الدولة ومؤسساتها في بناء الحضارة المادية، عليها السعي أيضا في بناء الانساء وترصين المنظومة الأخلاقية والقيم المجتمعية السليمة وحفظ كرامة الفرد، وهي أسمى قيمه حضارية يمكن ان تقوم بها الدولة ونجاحها وبقائها يعتمد على هذا الامر بنسبة كبيرة.

4. نبذ العنف مطلقا، وعدم العودة الى الاستبداد والدكتاتورية، فمهما كان الوضع سيئا، فلن يكون بسوء العنف او الاستبداد، فكلاهما لا يمثلان الحل او الخلاص من الفوضى او اللانظام او الفساد الذي تعاني منه المجتمعات، بل العكس صحيح.

5. الإصلاح التدريجي للوصول الى الإصلاح الشامل، شرط ان يكون هذا الإصلاح جوهري وليس مجرد شعارات ترفع وقت الانتخابات او الازمات، كما ان الإصلاح يعتمد في نجاحه على جميع الطبقات ويشمل الاصلاح الجميع أيضا.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق