أظهرت الازمة الأوكرانية بوضوح ضعف العامل الإنساني في إدارة العلاقات والتفاعل بين الدول، وكشفت عن حجم المصالح الآنية، والمادية المجردة من المشاعر، واللاعقلانية التي تحكم وتتحكم بعالم اليوم من دون قيود أخلاقية تمنع وقوع الكوارث او الدمار الذي يمكن ان يتسبب بهلاك البشرية، او جزء كبير منها، بقصد بشري لمجرد تحقيق الانتصار على الأعداء او فرض ارادته على الطرف الاخر.

خلال أسابيع قليلة سبقت الازمة بين أوكرانيا وروسيا، والاسابيع التي تلت الحرب بينهما، تحولت مجريات الاحداث الى ما يشبه السباق نحو النهاية في حلبة الموت، وتبارى المتخاصمون فيما بينهم لإثبات وجهة النظر الوحيدة التي يعرفونها: لا مجال للعقل او التسامح او الاخلاق في إدارة الازمات، بل المصالح فقط، وان اقتضت الضرورة الى فناء نصف الكرة الأرضية فلا مانع او تردد عن فعلها.

لقد افرزت هذه الحرب العديد من التداعيات التي تجاوزت حدود المتصارعين لتشير بوضوح الى عمق الازمة الإنسانية التي تعاني منها البشرية والمتسبب بها من أصحاب المصالح الشخصية والطموح المادي والايديولوجيات المنحرفة:

1. على المستوى السياسي شكلت الازمة الأوكرانية الصراع القديم المتجدد ما بين المعسكر الغربي (الناتو) وروسيا وحلفائها، وهو ما يفتح باب التكهنات لحرب أوسع تدار بالوكالة، او بصورة مباشرة بين الدول النووية والتي تملك ترسانة حربية ضخمة، مثلما تملك العديد من الحلفاء في مختلف القارات وبالتالي عدم استبعاد فكرة حرب واسعة وشاملة.

2. على المستوى الاقتصادي كان لأثر الازمة الأوكرانية واقع اقتصادي عالمي كبير ظهرت بوادره في نقص امدادات سلع غذائية مهمة الى مناطق واسعة من العالم، فضلا عن ارتفاع أسعارها بشكل جنوني بعد امتناع العديد من الدول، ومنها أوكرانيا وروسيا، تصدير هذه السلع، الامر الذي انعكس بشكل مخيف على مستقبل الملايين من البشر ممن يعانون من نقص الامدادات الغذائية.

3. ضرر كبير وشلل أكبر أصاب مستقبل التجارة الدولية بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز الجنوني، إضافة الى التداعيات المحتملة لفرض حزم من العقوبات المتوقعة ضد روسيا، وهي حرب اقتصادية ربما يتوسع مداها الى قطاعات أخرى لا ينحصر تأثيرها المستقبلي على روسيا وحلفائها فحسب، بل سينعكس سلبا على الدول الضعيفة اقتصاديا وسياسيا، وبالتالي سنشهد المزيد من الانهيارات والصراعات على المستوى العالمي.

4. المعاناة الإنسانية التي شملت أطراف النزاع والدول المحيطة بها، نتيجة للنزوح المدني عن بؤر الصراع الى دول الجوار، وهذه الحلقة الأقرب، اما الحلقة الاوسع، فالمعاناة الإنسانية ستضرب دول أخرى نتيجة لنقص الامدادات وتضرر السلة الغذائية العالمية عن ملايين البشر مع انعدام القدرة على سد النقص الحاصل في السلع والمحاصيل الغذائية الاستراتيجية في الوقت القريب.

5. حروب بالوكالة لن تقتصر على دولة او دولتين، خصوصا مع التوجه الى جلب مقاتلين أجانب من الجانب الاوكراني والروسي للقتال الى جانب قواتهم النظامية، وبالتالي سيعاد الى الاذهان السيناريو الافغاني (القاعدة) او العراقي (داعش)، وما سيجلبه من تداعيات على الامن والسلم الدوليين.

ان تكاليف الحرب والعقوبات والصراع على المصالح باهظة الثمن إذا ما قورنت بالجنوح الى السلام واستخدام العقل والمنطق في حل المشاكل وتجاوز العقبات التي تعترض سبيل السلم، وعل قادة العالم ان يفهموا حقيقة ان: "الإنسانية وحدة واحدة، واللازم على الإنسان خدمة الإنسان الآخر مهما كان لونه وعقيدته واتجاهه"، وعليه: "يجب أن ينظر الإنسان إلى أخيه الإنسان بعين إنسانية، فيساعده بأقصى ما يتمكن، ويخفف عنه المآسي، وينقذه من الأخطار"، وهذا هو سبيل الرشاد والتقدم والازدهار لكل الإنسانية بدلا من السعي في خرابها ودمارها.

يقول المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي: ان "العنف من المصاديق الظاهرية لتغلب القوى الشريرة في الإنسان على القوة الخيرة"، بينما نلاحظ ان: "من الثمار الإيجابية لأسلوب اللاعنف في الحياة هو انتشار الأمان والطمأنينة والمحبة والتعاون بين الناس"، هذه هي المعادلة التي ينبغي ان يضعها قادة العالم امام اعينهم وهم يتحكمون بالعالم وشعوبه ومقدراته وفق اهوائهم ومصالحهم الآنية الضيقة، وهي المعادلة التي لو طبقت لعاش الانسان الى جانب أخيه الانسان بمحبة وسلام، ولتنعم الجميع بالخيرات والتقدم والازدهار، واولى خطوات منع العنف هو إيقاف الحرب او الدعوى اليها، اذ ان "الحرب من أبرز مظاهر العنف خصوصاً الحروب الحديثة، فاللازم الحيلولة بكل صلابة وقوة دون وقوعها، بل لحيلولة دون وقوع مقدماتها".

ان الحديث عن افراز هذه الازمة لنظام عالمي جديد يختلف عن النظام الحالي لا يعني بالضرورة نظام أفضل من سابقه، نظام قائم على العدالة والمحبة والسلام، فالنتائج غالبا ما تعتمد على المقدمات، فاذا كانت هذه المقدمات سيئة فالنتائج سيئة والعكس صحيح، لذلك اغلب التوقعات لا تصب في مسار تصحيح الأخطاء التي عصفت بالمجتمعات البشرية كنتيجة طبيعية للحروب والعنف المفرط والاستبداد وسلب الحريات والاستعباد الذي مورس بشكل ممنهج وتحمل تبعاته الانسان البسيط في مشارق الأرض ومغاربها، وما زالت تبعاتها تهدد وجود الجميع على الأرض.

ان الحاجة الفعلية لديمومة الحياة وبناء الحضارة الإنسانية وتحقيق السلام العالمي هو بالعودة الى الجذور الأخلاقية والفطرة الإنسانية السليمة والجنوح الى السلم وتغليب لغة اللاعنف والمحبة والسلام، والتعاون بين الجميع وفق مبدأ الاخوة الإنسانية بلا فرق على أساس اللون او العقيدة او الجنس، فالعالم اليوم لا يتحمل لغة السلاح والعنف والتهديد لأن شرور هذه اللغة سيطال الجميع وسيحرق الأخضر واليابس ولن يكون هناك مأمن من تداعياتها العنيفة والمدمرة.

في الختام هناك جملة من التوصيات التي يمكن ان توفر بيئة آمنة لمستقبل أفضل يمنع المزيد من الانتكاسات التي عصفت بالجميع:

1. العودة الى المنطق والحوار وتحكيم لغة العقل لتجنب الذهاب المباشر الى استخدام العنف والسلاح في حل النزاعات والمشاكل بين الدول.

2. تجنب العنف مطلقا، واعتماد مبدأ اللاعنف كأساس ودستور عالمي يؤسس لنظام عالمي جديد خالي من العنف او التهديد باستخدامه.

3. تأسيس ميثاق عالمي جديد يمنع اللجوء الى الحرب بكل اشكالها، ويمنع استخدام أي عقوبات من شانها التأثير على الشعوب ومفاقمة معاناتها.

4. التعاون بين المجتمعات الإنسانية على أساس تكافؤ الفرص وتبادل الخبرات والخيرات في مختلف المجالات بما يخدم الإنسانية جمعاء ومنع احتكار أي سلعة او خبرة قد تؤدي الى الاضرار بالأخرين.

5. التأسيس لنظام عالمي جديد خالي من الدكتاتورية والاستبداد ومصادرة الحريات والآراء ومحاربة الأديان والمعتقدات، نظام عالمي يكون فيه الجميع على قدم المساواة في الحرية والامن والتقدم والرخاء، نظام يؤسس لتقدم الحضارة الإنسانية ككل ولا يقسم دول العالم لمتطورة وأخرى متخلفة او نامية.

6. البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع الانسان مع الاخر، بدلاً من الفرقة والخلافات، وهي حالة طبيعية لتشكيل علاقة تكاملية تهدف الى اسعاد البشرية جمعاء، وقد جرب الجميع ويلات الخلاف وتبعات المشاكل والأزمات وما أوصلت اليه حال المجتمعات الإنسانية من كوارث طبيعية وحروب وحصار اقتصادي وغيرها الكثير.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق