الاوليغاركية oligarch مصطلح يوناني الاصل معناه (حكم القلة) أذ ان كلمة oligo تعني قلة، وarkhein تعني حكم. أي وجود نخبة قليلة تتميز بمكانة اجتماعية او دينية او اقتصادية أو تعليمية أو اسرية تتحكم بمصادر القوة والنفوذ والقرار.

وهناك حوالي 13 نوع من الاوليغاركية سادت في العالم وتحكمت بالقرارات السياسية لكثير من الدول. ورغم ان المصطلح في أصله محايد (ليست له دلالة سلبية أو ايجابية) الا ان كثير من العلماء والفلاسفة بدءً بأرسطو عدّوه نظام يؤدي الى تركيز القوة والموارد بيد قلة من الشعب وبالتالي فهو مضاد لمبادىء الديموقراطية والحكم الرشيد.

لقد برز هذا المصطلح بقوة في الايام القليلة، بعد الغزو الروسي لاوكرانيا، لان روسيا توصف اليوم بأنها من أكبر البلدان والأمثلة على حكم الاوليغاركية. لقد أدت عمليات الخصخصة وبيع أملاك الدولة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي الى ظهور طبقة من المليارديرات الروس الذين ارتبطوا بعلاقات وثيقة برجال السلطة والسياسة، وبوتين نفسه هو نتاج أحدى تلك الروابط.

في العراق، ورغم ان بعض الباحثين المهمين كحنا بطاطو وعبد الرزاق الحسني وعبد الجليل الطاهر وسيار الجميل، تناولوا جوانب من بعض ما يمكن ان يسمى من وجهة نظري بشبه الاوليغاركية (كالشيوخ والاغوات والضباط وخريجي المدارس التركية... الخ) خلال مراحل تاريخية مختلفة، الا ان من الغريب ان مصطلح الاوليغاركية لم يَشَع في الاوساط النخبوية والاكاديمية بعد 2003.

لقد تميزت حقبة مابعد الاحتلال الامريكي ببروز اكثر من مجموعة أوليغاركية عراقية حتى باتوا أصحاب الحل والعقد والمبشرين بجنة الحكم في العراق! أدناه (باختـصار شديد) أهم تلك المجاميع الاوليغاركية التي تتحكم بقرار العراق السياسي والاقتصادي.

أنبه الى انني ورغم معارضتي لتحكم الاوليغاركيا بالسلطة، الا ان بعض أعضاء تلك الاوليغاركيات قد يتمتعون بكثير من الصفات الوطنية الايجابية، وأن تصنيفهم ضمن الاوليغاركية جاء لانطباق التعريف عليهم. مع ذلك فأن الاوليغاركية النبيلة في العراق ضعيفة جداً، حتى أن وُجدت بسبب قوة التحالف بين طبقات الاوليغاركية الطفيلية التي باتت تتحكم بمصادر القرار العراقي:

1- أثرياء العراق الجديد. برزت هذه الطبقة كشبيهتها الروسية نتيجة أعمال الخصخصة التي أدت الى بيع أموال الدولة العراقية وممتلكاتها بطريقة خلت من الشفافية والوضوح وخلقت طبقة ثرية من التجار (وليس رجال الاعمال) الذين أكتفوا ببيع ما استولوا عليه من أملاك الدولة. أما المصدر الثاني لثروة هؤلاء فقد تمثل بتقديم خدمات لجيش الاحتلال الامريكي. وكان الفساد هو المصدر الثالث لاموال هذه الطبقة التي باتت تمتلك البنوك وشركات التجارة والخدمات. بمعنى أن الاموال التي جمعتها هذه الطبقة لم تأت من فعل اقتصادي تنظيمي entrepreneurship ادى الى قيمة اقتصادية مضافة،وانما من عمليات استيلاء وسرقة وبيع اصول الدولة.

بروز طبقة

2- طبقة العوائل والأسر. برزت هذه الطبقة بعد 2003 كإحدى المجاميع المسيطرة على مقاليد القرار السياسي في العراق. وسواء كانت هذه الأسر بخلفيات دينية أو عشائرية او اجتماعية فأنها حافظت على تقليد تدوير السلطة والنفوذ داخل مجال الاسرة أو العائلة. واستطاعت هذه الأسر أيصال أبنائها الى سدة القرار السياسي ليس كوزراء او أعضاء برلمان فحسب بل كقادة سياسيين او أمنيين يتحكمون بمفاصل مهمة من القرار العراقي. لقد بات التوريث أحد أهم مصادر النفوذ والسلطة في العراق الحديث. حين النظر الى اسماء المناصب القيادية في العراق يتضح جلياً أن الاوليغاركية الاسرية في العراق باتت تلعب دورا مهما في القرار العراقي.

3- أمراء الحرب. أدى الفراغ السياسي والامني الذي خلفه سقوط النظام وانتشار السلاح، وفشل سلطة ما بعد 2003 على ملء هذا الفراغ الى بروز فئات مختلفة من المجاميع المسلحة التي يترأسها أمراء حرب استطاعوا أضافة سلطة النفوذ والمال الى سلطة السلاح التي امتلكوها. وفي حديث لي مؤخراً مع أحد أهم المسؤولين عن الاقتصاد العراقي، سألته عن تقديره للقوة المالية التي تمتلكها أحدى الميليشيات المسلحة الكبيرة فأجابني أن ما يمتلكوه من عقارات وأموال لا يقل عن نصف مليار دولار!!

ويقيناً فأن هناك مجاميع أخرى وأمراء حرب آخرون تجاوزت ثرواتهم حاجز المليار دولار في بلد يرزح 40% من سكانه تقريبا تحت مستوى خط الفقر.

4- عراقيو الخارج. على الرغم من ثقل وطأة هذا المصطلح على نفسي لانه أحدث شرخاً جديداً ومضافاً الى الشروخ الفئوية التي قسمت العراقيين طولاً وعرضاً، الا اني لا اجد مناصاً من استخدام المصطلح للتدليل على مجموعة من الشخصيات التي ظلت تتداول مراكز القرار والحكم في العراق بعد 2003.

لقد أدت هجرة النخب السياسية والاجتماعية خارج العراق في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي الى أنشاء جاليات عراقية سياسية تحت مسمى المعارضة.

وبعد الاحتلال حاول عراقيو لندن واوربا وامريكا وايران ودمشق تسويق انفسهم بانهم كانوا وراء اسقاط النظام وأنهم المؤهلين لملء فراغ الحكم بخاصة وانهم أقاموا علاقات وثيقة مع الاميركان وحلفاؤهم من الغزاة. ان جردة بسيطة لرؤساء الوزراء الستة الذين تعاقبوا على حكم العراق تؤكد ان جميعهم كانوا ضمن اوليغاركية عراقيو الخارج (4 منهم من لاجئي لندن، واحد من فرنسا وواحد من سوريا).

كما ان نظرة سريعة على من تسلموا مناصب وزارية او ما يعادلها تؤكد نفس الاستنتاج السابق.

أستهدف هذا المقال التعريف بظاهرة الاوليغاركية في العراق والتي باتت تتناسخ وتولد فئات نخبوية جديدة لا تستند الى مصادر النــــــــفوذ التقليدية في العراق بل هي أفراز من أفرازات النظام السياسي الاجتماعي لما بعد الاحتلال. أعترف أن هذه الظاهرة تحتاج الى دراسات سياسية اجتماعية اعمق من قبل المختصين، وآمل ان يثير ما كتبته اهتمام اكبر بهذا الموضوع المهم.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق


التعليقات

ندى طالب
مقال مهم بصراحة
اود ان اعرف اسم الكاتب2022-03-06