منذ تشكيل مجلس الحكم الذي كان البذرة الاولى للتحاصص والتقاسم والفرقة والتشرذم، والنمو الخطير لكل ما هو عدو لوحدة المجتمع ومكوناته، يزداد يوم بعد آخر في ظل نخب سياسية تعمل لمأسسة التحاصص والتوافق الاثني. فأصبح تراص المكونات وصلادة بنيانها أهم بكثير من الوحدة الوطنية التي تم تناسيها وإهمالها، وإن حرص البعض ورفع صوته عاليا في الدفاع عن هذا البيت المكوناتي او ذاك، فهي كلمة حق يراد بها مأسسة جدران الفرقة وهدم وخنق انفاس التوحد ولم الشمل، ومحاولة تكميم أي صوت داعيا للوحدة فيتهم بأنه ينال من وحدة البيوت المكوناتية.

وحدة البيوت المكوناتية تستمد قوتها من جسد وحدة الكل المجتمعي فتتماسك لتنال منه. فأصبحت مظلة من لا مظلة له وحصة من لا حصة له ولا استحقاق، إنها هرولة الهروب من الوطنية نحو المكوناتية اذ لا ملاذ له في الاولى.

أصبحت المكوناتية وسطوتها والسهر على قوتها شعار المفلسين وملاذ الخائبين، الذين تمسكوا به حتى تحول الى قاعدة متعارف عليها ومتفق بشـأنها، فأصبح التوافق والتحاصص عرفا سياسيا وصل به الامر الى حد أنه أصبح أقوى من الدستور والقانون.

قاعدة التوافق او التحاصص اكتسبت علويتها من تبني سدنة التفرقة والتشرذم لها، اذ هم من دون برنامج للاصلاح او التغيير، ولا يجدون ما يرفعونه من شعارات سوى دفاعهم عن ديمومة البيوتات الاثنية، التي أكلت الكثير من جرف البيت الوطني الواحد.

فالنظام المحاصصاتي يزيد الهوة بين الجماعات الاجتماعية، اذ هو بدلا من ربط هذه الفئات بالوطن والدولة والمصلحة الوطنية ومصلحتها الحقيقية، فهو يربطها بمصالح فئوية ضيقة تتضرر هي ويتضرر الوطن.

فأصبح التحاصص يزيد من تخندقها وتماسكها على حساب الكل الوطني ووحدة النسيج الاجتماعي داخل الدولة والمجتمع.

يستطيع المراقب لمجريات الحراك السياسي في العراق رصد حالة التخندق الطائفي والعرقي التي زاد تماسكها نتيجة مبدأ التوافق، وما قابله من ضعف وهشاشة في الجانب الوطني والوحدة الوطنية.

وهو ما يشكل انكسارات خطيرة في الهوية الوطنية بوصفه ثقافة سياسية مريضة تعبّر عن احتضار الديمقراطية، ويتفق الباحثون على أن هذا المبدأ يزيد تماسك المكونات الاثنية على حساب وحدة الصف الوطني، فكلما تألق اشعاع الايقونات الفئوية خفت ضوء الرموز الوطنية.

اذ يشهد واقعنا السياسي الكثير من التشنجات التي تصل أحيانا الى حد العنف حين تغلق منافذ وبوابات الحوار، أو قد يكون مصدره الشك والريبة وعدم التفاعل السياسي الايجابي.

في بلدان التنوع الأثني يتصاعد التباعد لانعدام آليات واضحة لادارة التنوع، فتسود بين المختلفين أوراق مقلوبة لا تعرف مضامينها لانعدام الشفافية وشيوع المضمر وانعدام الثقة.

وتسود هذه الحالة بشكل خاص داخل المكونات التي تعرضت الى مظالم واضطهادات واقصاء وتهميش، فتحمل من المخاوف اكثر من غيرها، ولأن الخوف (انفعال قوي غير سار ينتج عن حالة شعورية وجدانية تنتاب الشخص عندما يشعر بوجود خطر أو توقع حدوثه، ويكون مصدر هذا الخطر داخليا من الشخص نفسه أو خارجي من البيئة) فإن هذه المخاوف التي يتحدث عنها بعض السياسيين لا بد من الاعتراف بوجودها، لان الاعتراف جزء مهم في طريق العلاج والحل.

المشكلة الاساسية التي يعانيها مشهد الحراك السياسي العراقي، هو عامل الريبة والخوف المتبادل بين النخب السياسية، والذي امتد فوصل تأثيره في بعض الاحيان الى المشهد الاجتماعي فزاد من عوامل التباعد.

ففي ظل عوامل التهميش والاقصاء التي عاشها البعض تبرز الحاجة لضمانات، لإزالة مصادر المخاوف والشكوك والريبة والوهم، وهذا يتمُّ من وجود المشترك الوطني الذي تلتف حوله جميع الاطراف السياسية. ويتمثل هذا بعقد اجتماعي ينظم هذه العلاقات ويقدم تطمينات وضمانات للخائفين، يتمثل بالدستور الذي أسهم في وضعه الجميع واتفق عليه الجميع، لكن مع كل هذا الاتفاق هناك اشارات واضحة الى أهمية اجراء تعديلات عليه، وهو ما اشارت اليه المادة الدستورية (142). الدستور الذي يتفق عليه الجميع ويقدم ضمانات للجميع لا قوة تجاريها او تعلو عليها، بعيدا عن التوافقات والترضيات التي تحرم البعض من حقوقهم، فضلا عن بناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة الحقة، التي يقف فيها جميع المواطنين على خط شروع واحد من المساواة في الحقوق والواجبات، ويتمتع الجميع بالمشاركة السياسية والاقتصادية، وبناء دولة الحق والعدل والانسان.

لا يمكن عبور مراحل الشكوك والمخاوف وتصاعدها إلا من خلال حوار وطني يشارك فيه الجميع من أجل عبور الاختناقات بأقل التضحيات وتجاوز الانسداد السياسي الذي يبرز بين مرحلة وأخرى، وايجاد ضمانات قانونية ودستورية ترضي الجميع.

وفي الختام نقول إن آليات العمل تعتمد انتاج الحلول وليس غض الطرف عن المشكلات او تدويرها الى أوقات اخرى، وفتح جميع الملفات وليس إهمالها او القفز عليها وتجاهلها مهما كان تعقيدها وصعوبتها.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق