(1)

المعايير الإنسانية في العلاقات الاجتماعية تحتاج إلى أدوات تحليل قادرة على رَبْط السُّلوكيات اليومية بحيوية النُّظُم اللغوية، كما تحتاج إلى آلِيَّات واقعية قادرة على تَكثيف الظواهر الثقافية باعتبارها أشكالًا للتفاعلات الرمزية، ومضامينَ معرفيةً لإشباع رغبات الفرد في التواصلِ مع ذَاته ومُحيطه، والتعاملِ معَ الآخرين باعتبارهم بؤرةً لدائرة المعنى المعرفي، التي تتداخل مع شخصية الفرد وسُلطةِ المجتمع.

وهذا التداخل لَيس حركةً ميكانيكيةً كعقارب الساعة التي تُشير إلى الزمان، وإنَّما هو حركة قَصْدِيَّة واعية في ماهيَّة الكِيَان التاريخي، لإعادة تفسير الزمان، لَيس كشيء مضى وانقضى، وإنَّما كَنُقطة ارتكاز جوهرية في المكان الذي يُعَاد بناؤه باستمرار، ويتم استحضاره من ذاكرة اللغة، لحراسته من الغياب، وحمايته مِن أنماطِ التفكير الاستهلاكي، وقوالبِ الوَعْي المُزيَّف.

وإذا كانَ الزمانُ وُجُودًا للمَعْنَى (المَدلول) في المَبْنَى (الهَيكل الوظيفي الحاضن للمَدلول)، فإنَّ المكان تجسيد لتصوُّراتِ الفرد عن كَينونته، ومفاهيمِه حَول الحياة، في ظِل حركة الزمان المُندمجة معَ التغيُّرات الطارئة على الفِكْرِ الإنساني، وتحوُّلاتِ الشُّعور، والمنظورِ الأخلاقي، ومصادرِ المعرفة.

(2)

الزمان والمكان ينتقلان من البُنى الاجتماعية العميقة في وَعْي الفرد وشُعورِه، إلى المسارات الوجودية التي تُفرزها حركةُ التاريخ، مِن أجل تحرير المصير الإنساني من العُزلة الاجتماعية التي تدلُّ على غِياب التواصل معَ المُجتمع. وفي حقيقة الأمر، إنَّ الزمان لا يَختفي، وإنَّما يتجسَّد في منهج تحليل العلاقات الاجتماعية، والمكان لا يَغيب، وإنَّما يتجسَّد في أُسلوب تفسير مصادر المعرفة.

وهذا يَحْمِي الفردَ مِن الشعورِ بالاستقلال عن البيئة المُحيطة، والغرقِ في أفكاره الشخصية وعوالمه الذاتية. وتفاعلُ الفردِ مع عناصر العَالَم الواقعي، يُمثِّل الأساسَ الفلسفي للعلاقة بين الظواهر الثقافية والنُّظُم اللغوية، مِمَّا يَدفع باتجاه تَكوين شرعية وجودية للتفاعلات الاجتماعية المُنعكسة عن حركة التاريخ التي تقوم على تفسيرِ إشارات الثقافة، وتأويلِ رُموز اللغة، وتحليلِ العوامل الجُزئية والكُلِّية التي تُؤَثِّر في بناء أشكال الوَعْي على قواعد السلوك الأخلاقي. وحركةُ التاريخ -بما تَملِكه مِن قُدرة على الانبعاث والتجديد- قادرةٌ على إيجادِ التعابير التي تُوضِّح أطوارَ النمو الفكري في الأداء الاجتماعي الفَعَّال، وتَخليصِ الأفعال الإبداعية مِن القلق الوجودي والتَّوَتُّر المعرفي والضغط الحياتي، وُصولًا إلى حالة الصفاء المعنوي والنقاء المادي.

والصفاءُ المعنويُّ شَرْط لبناء أنظمة الخيال في الذات والموضوع، والنقاءُ الماديُّ شَرْط لتغيير الواقع -شكلًا ومَضمونًا- نَحو الأفضل. وإذا انعكسَ النشاطُ العقلاني (بُنية الاستدلال المنطقي) على حركة التاريخ -صُورةً ومُحتوى-، فإنَّ الشرعية الوجودية سَتَؤُول إلى مشروعية لغوية، والخيال سَيَؤُول إلى تطبيقات عملية، والواقع سَيَؤُول إلى ذاكرةٍ لأحلام الفرد، وبُوصلةٍ لمساره في المجتمع، وخريطةٍ للتفاعلات الفكرية التي تتجاوز الأنماطَ الجاهزة والقوالبَ المُتَحَجِّرة. وطبيعةُ الفِكْر قائمة على التجاوز، لأنَّها مُستمدة مِن ماهيَّة استشراف المُستقبل، ومُعتمدة على استعادة الذكريات مِن الذاكرة.

(3)

حقيقة الفِعْل الاجتماعي هي انعكاس طبيعي لِجَوهر الحُرِّية، الذي يُجسِّد تصوُّرات الإنسان عن ذاته، ويتجسَّد في فلسفة النماذج المعرفية، مِن أجل تَكوين حالة مِن الوَعْي الإنساني، الذي يَنسجم مع التحولات الجذرية في التجارب الرُّوحية والظواهر الثقافية، ويُوجِّه المفاهيمَ المركزية في الوجود نَحْو آثار الزمان والمكان على جسد التاريخ، الذي يَنقسم إلى تاريخٍ يُولَد في أعماق الإنسان (التاريخ الداخلي)، وتاريخٍ يُحيط بحركة الفرد في المُجتمع (التاريخ الخارجي).

وهذا الانقسامُ يَفرض على الأنساق المعرفية أن تُحلِّل التاريخَ كَسُلطة قائمة في ذاتها، ولا تنفصل عن ذات الإنسان. واستحالةُ الفصل بين ذات التاريخ وذات الإنسان، سَتَكشف كيفيةَ قِيام الأيديولوجيات النَّفْعِيَّة المُغرِضة بتوظيف التاريخ كَسِلاح ضِد حُرِّية الإنسان في النَّقْد والنَّقْض. ولا يَكفي أن يَكون الإنسانُ واعيًا كَي يَمتلك حُرِّيته، ويُعْمِل عَقْلَه في تشريح الأنساق الحياتية الظاهرية والباطنية، لأنَّ التعبير عَن الوَعْي لا يَصنع وَعْيًا حقيقيًّا بالضَّرورة، ووصف الشَّيء يَختلف عن حقيقة الشَّيء.

يجب أن يندمج التعبيرُ عَن الوَعْي معَ تحرُّر العقل مِن سُلطة اللامعنى، كَي يُولَد وَعْي حقيقي يَمتلك أدواته وآلِيَّاته، وعندئذ يُصبح التعبيرُ عن الوَعْي جُزْءًا مِن حقيقته الذاتية، ولَيس مُجرَّد قِشرة خارجية أو غِلاف جَميل بَرَّاق.

* كاتب من الأردن

اضف تعليق