من يطلب نزع سلاح الفصائل الشيعية العراقية كمن يطلب من السمكة العيش خارج الماء، هذه معادلة غير ممكنة بالنسبة للفصائل، فهي وجدت لحمل السلاح، وتعتقد بأن الظروف التي دفعتها للعمل نيابة عن الحكومة هي ذاتها ما زالت قائمة وتفرض عليها تعزيز موقعها بدل التراجع إلى الوراء.

كل الفصائل تريد الوصول إلى السلطة وتستخدم السياسة من أجل خدمة سلاحها، والديمقراطية مجرد وسيلة لإسباغ الشرعية على وجودها، لكنها بالنهاية لا تريد الخضوع لمنطق السياسة، وإنها تريد إسباغ الشرعية القانونية على وجودها، وفي ذات الوقت ترفض (عملياً) الالتزام بالقوانين العراقية.

إنها حالة شيعية خالصة، تخشى نزع سلاحها لانهيار روابط الثقة بالدولة، ولديها تجارب مريرة مع الانظمة السياسية طوال قرون طويلة، وتعتبر فكرة وجود سلاحها نعمة لم يحصل عليها الاسلاف.

وهي تريد السيطرة على الحكومة، لكنها غير واثقة من استمرارها بالحكم، فالديمقراطية تعني تداول السلطة بين أكثر من حاكم، وفي الديمقراطية يستحيل استمرار الحزب بحكم البلاد إلى الأبد، لذلك فإن إنهاء وجود السلاح لمجرد أن الأحزاب الشيعية تسيطر على الحكم غير كافية.

أي حكومة جديدة تعني بالضرورة ظلم الشيعة، حسب الأدبيات السائدة، ولذلك تنتشر نظرية المؤامرة التي تسوق للمذهب الخائف الذي يجتمع العالم ضده، ومن يخاف لا يمكنه التخلي عن سلاحه.

الثقة مفقودة في كل حاكم سواء كان شيعياً أو من أي مذهب آخر، وعندما يحكم الشيعي، يراد منه توفير الحماية للفصائل الشيعية لا أكثر التي هي بالنهاية الممثل الرسمي للمكون في سعيه الدائم للتخلص من عقدة الخوف من السلطة.

لهذا السبب فإن أي دعوة لحل الفصائل الشيعية تعني خيانة للمكون، مهما كان صاحب الفكرة، أما دعوة السيد مقتدى الصدر فهي لا تخرج عن حالة الصراع المستمر الذي أوجد الفصائل، طوال السنوات الماضية، وأوجدته الفصائل بعد تكاثرها وصعوبة جمعها في بوتقة واحة، وصارت تتصارع فيما بينها من أجل الفوز بالولاية على الشيعة والدفاع عن مصالحهم.

ينقسم هذا الصراع إلى اربعة مستويات:

المستوى الأول: صراع ضد السلطة الظالمة

فالفكرة الرئيسية لتشكيل الفصائل الشيعية المسلحة هي الولاية على حقوق المكون الشيعي والدفاع عنها، كان ذلك خلال حكم النظام البعثي السابق، إذ أنه انتهك حقوق المكون ودفع به الى خارج منظومة الحكم.

هذه السياسة التعسفية من قبل حزب البعث دفعت الشيعية إلى تشكيل الفصائل المسلحة وأبرزها في ذلك الوقت هو فيلق بدر الذي تحول فيما بعد إلى منظمة بدر، وقد شارك بعمليات قتالية ضد السلطات العراقية آنذاك، ومما يؤخذ عليه أنه قاتل مع القوات الإيرانية ضد القوات العراقية خلال حرب الأعوام الثمانية.

تنتهي حقبة حزب البعث ويسقط يوم التاسع من نيسان عام 2003، لتبرز لنا مشكلة جديدة، ويستحدث طور جديد من أطوار الولاية السياسية والعسكرية للفصائل الشيعية على قرار المكون.

المستوى الثاني: الصراع مع المحتل

هنا برز جيش المهدي الذي يتزعمه السيد مقتدى الصدر، أعلن عنه مبكراً، وأسس له صحيفة ناطقة باسمه، وشن حرباً ضد القوات الأميركية والقوات العراقية التي اعتبرها في ذلك الوقت عميلة للمحتل الأميركي، وكانت معارك النجف ومعارك مدينة الصدر الأشرس والأكثر دموية.

لم يكن جيش المهدي يستسيغ فكرة وجود قوات أجنبية، كما لم يكن يتقبل تعامل الحكومة مع المحتل، فالحكومة الوطنية لا يمكن تشكيلها ال بعد خروج المحتل.

وبعد سنوات ظهرت تشكيلات أخرى انبثقت من رحم الفكرة التي تشكل فيها جيش المهدي، المبرر موجود إنها مقاومة الاحتلال ومقاومة من يتعاون مع هذا المحتل، ولهذا السلوك المقاوم جذور في الفكر السياسي الشيعي تبرر بل وتفرض ضرورة مقارعة المحتل في حال سطوته على مقدرات البلد.

خلال تلك المدة كانت قوات منظمة بدر منصهرة في الحكومة وتتعاون مع السلطة الأميركية، فبدأت أولى مراحل الصراع الفصائلي، هناك رؤيتان مختلفتان، إحداهما تريد التعاون مع السلطة الحاكمة الخاضعة للمحتل، والثانية تريد طرد المحتل قبل بناء الحكومة.

بعد نهاية عام 2011 لم يعد هناك احتلال، فقد خرجت القوات الاميركية باتفاقية أبرمت بين الحكومة العراقية والحكومة الأميركية، كما أن زعيم التيار الصدري في حينها قد أعلن موافقته على بقاء عسكريين أميركيين في العراق لأغراض التدريب، شرط انسحاب جميع القوات القتالية وإبرام اتفاق جديد مع الولايات المتحدة يسبقه تقديم تعويضات للعراقيين.

انتهت مسألة مقاومة المحتل بالنسبة للسيد الصدر، وبالنسبة للفصائل العراقية الشيعية الأخرى التي كانت تحتفل بالسنوات الاولى لخروج القوات الأميركية، لكنها انتقلت هذه المرة للحرب ضد محتل جديد اسمه داعش.

المستوى الثالث: تأسيس الحشد الشعبي

بعد سيطرة داعش على المدن والمحافظات الغربية عام 2014 صارت فكرة الفصائل الشيعية ضرورة وطنية، وانطلقت فتوى المرجعية الدينية بالجهاد الكفائي لتعطي زخماً هائلاً لهذه الفصائل، فالفتوى دعت العراقيين للتطوع في صفوف القوات الأمنية من أجل الدفاع عن المناطق المحتلة من قبل داعش.

تلقفت الفصائل الفتوى فتم تأسيس الحشد الشعبي، وصار تنظيماً عسكرياً رسمياً أقرته الحكومة والبرلمان، وكانت الفصائل قد بدأت تأخذ دور الحاكم لأول مرة، بعدما كانت تعبر عن نفسها بأنها قوة لمقاومة طغيان الحكومات تارة ومقارعة المحتل من موقع خارج السلطة تارة أخرى.

إنها الآن جزء من المؤسسة العسكرية العراقية، والمفارقة أن الحكومة التي كانت تشن الحملات ضد عناصر جيش المهدي والفصائل الشيعية الأخرى، باتت اليوم تعطيهم الرواتب وتنظمهم بالقوانين، فصاروا جزءاً من الدولة ومن المدافعين عن هيكل العملية السياسية الناشئة في البلاد.

لكن هذا التحول لم يجري بطريقة سلسلة، وسادت حالة من الارتباك وعدم الثقة بين الحكومة من جهة، والفصائل الشيعية من جهة أخرى، لذلك بقيت حالة الحشد الشعبي هجينة، لا هي مليشيات خارجة عن سلطة الدولة بشكل حرفي لأنها تخضع لقانون وقرارات من قبل الحكومة، ولا هي قوات عسكرية خالصة تخضع كلياً لقرارات القائد العام للقوات المسلحة.

سادت مشاعر الخوف وعدم الثقة، بين الحكومة والفصائل، والأخيرة تحتفل بإنجازها بعد إصدار قوانين وتعليمات حكومية تعترف بشرعيتها، وفي الوقت ذاته متخوفة ومتوجسة من أن هذه القوانين سوف تصهرها في جسد الدولة التي لا يمكن الوثوق بها.

لم يكن الصراع مع الحكومة فقط، إنما هو صراع بين الفصائل ذاتها، هل تتذكرون قصة سرايا السلام التي لم تنظم إلى الحشد الشعبي إلا بشروط خاصة، والأزمة التي خلقها حشد العتبات.

المستوى الرابع: الصراع داخل الفصائل

قد تنكر الفصائل العراقية المسلحة وجود صراع شيعي شيعي، لكن الحقيقة أن هذا الصراع بدأ من اللحظة التي ذهبت منظمة بدر إلى جانب الحكومة بعد سقوط نظام البعث، بينما ذهب التيار الصدري والفصائل الأخرى إلى الضفة الأخرى للعمل ضد الحكومة والقوات الأميركية.

نمت فكرتان مختلفتان كلياً، واحدة تؤمن بمنطق العمل مع الدولة، والتركيز على العمل السياسي من أجل تحصيل حقوق الشيعة، وأخرى تؤمن بالعمل المقاوم خارج إطار السلطة لأنه الوسيلة الوحيدة لحفظ حقوق الشيعة.

كان التيار الصدري هو الممثل الرسمي للمقاومة المسلحة، وخسر الكثير بسبب عدم استقراره وقفزه للعمل مع الحكومة تارة، ومع المقاومة تارة أخرى، فانشقت عنه جماعات كثيرة، لدرجة أن البعض يقول بأبوية التيار الصدري لجميع الفصائل المسلحة الموجودة حالياً.

وكل منشق عن التيار صار خصماً لدوداً كما هو الحال مع عصائب أهل الحق التي انسلخت من تحت عباءة السيد مقتدى الصدر، والأخيرة يجد من واجبه الوقوف بوجه التطلعات الكبيرة لزعيم العصائب قيس الخزعلي، لأنه منافس شرس للصدر، كما هو حال الفصائل الأخرى التي تسير على نفس رؤية العصائب.

كان الحشد الشعبي فكرة خطيرة بالنسبة للتيار الصدري، وتطوراً لا يمكن تحمله، فعند تأسيسه شعر التيار الصدري أن دوره ضاع وسط التكاثر الواسع للفصائل المسلحة، فضلاً عن حصولها على اعتراف حكومي بوجودها، وهو ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها.

اضطر التيار الصدري لعقد هدنة مع الفصائل المناوئة له بعد أن أظهرت نتائج انتخابات 2018 التقارب الكبير في عدد مقاعد تحالف الفتح وكتلة سائرون الصدرية، واستمرت الهدنة مع بعض المناوشات السياسية والعسكرية، منها الاستعراضات التي كثرت قبل الانتخابات الاخيرة ومن قبل الطرفين.

اليوم وبعد إعلان فوز التيار الصدري بفارق كبير عن خصومه من الفصائل الأخرى، يريد تطبيق خطته بالتخلص من أي تهديد لسلطته، فدعا إلى حل الفصائل المسلحة في أول تغريده له بعد فوزه الكاسح، بينما تلقت الفصائل هذه الدعوى بمزيد من الخوف والريبة.

أكدت تمسكها بسلاحها وصعدت من خطابها واستخدمت التظاهرات التي ما تزال مستمرة حتى اللحظة، بينما يركز السيد الصدر على خطاب بناء الدولة الحديثة، بعيداً عن العمل المسلح الذي انتهت فعاليتها.

نعم انتهت فعالية السلاح بالنسبة للصدر الذي يملك سلاح السياسة والمقاعد بالبرلمان، ولو خسر كما خسرت الفصائل لم يدعو لحل السلاح، بل يذهب زعيم التيار الصدري كل مرة إلى حل الفصائل التابعة له، لكنه يعيدها بتغريدة واحدة.

يعرف الصدر أن سلاح اتباعه جاهز في أي لحظة، فيعلن حله متى يريد الضغط على خصومه، ويعلن إعادته متى أراد، ومن يملك هذا العدد من الخصوم المسلحين لا يمكنه التخلي عن سلاحه مهما كان الثمن.

أما بالنسبة للفصائل الشيعية الأخرى المقربة والمدعومة من إيران، فلا يرد حديث نزع سلاحها إلا إذا كفرت بعقيدتها، إنها مثل السمكة التي لا تستطيع العيش خارج الماء، الفصائل الشيعية لا تستطيع العيش بدون سلاحها، وأي حديث عن نزع السلاح مجرد مناورات سياسية لتهدئة الأوضاع لا أكثر.

اضف تعليق