انتهت الانتخابات "بسلام" بمشاركة ربع من يحق لهم التصويت، وغياب ثلاثة ارباع الباقين. وهذا الربع تقاسمه عدد كبير من الاحزاب، وفق التقسيم المكوناتي العرقي الطائفي. وبهذه النتيجة اقول: الانتخابات سحبت البساط من الطبقة السياسية الحاكمة ولم تقدم البديل الحضاري الحديث.

كيف؟ لا اقول ان هذه النسبة الضئيلة تسحب الشرعية من الفائزين، لعدم وجود نص دستوري او قانوني، محلي او دولي، ينص على ذلك. لكن النسبة الضئيلة تشير الى وجود تآكل في ثقة الناخبين بالنظام السياسي، كما يقول لاري دايموند وفوكوياما وغيرهما. وتشير ايضا الى وجود خلل في الصفة التمثيلية للنواب الفائزين. تشير الى ان النظام السياسي مريض، ولهذا لم يشارك اكثرية الناس في حفلته الانتخابية.

لا اقول ان غياب ثلاثة ارباع الناخبين يعني ان كل هؤلاء معارضون او رافضون للنظام السياسي الحاكم، لان هناك الكثير من الاسباب المحتملة للغياب، وليس فقط رفض النظام. لكني اهتم هنا فقط بدلالة النسبة الضئيلة في المشاركة والنسبة الكبيرة في الغياب، بغض النظر عن الاسباب، بالنسبة للطرفين. والدلالة، باختصار هي: ان القاعدة الشعبية للنظام ولاحزابه الفائزة تقلصت بدرجة كبيرة. وهذا ما اعنيه بسحب البساط من تحت اقدام الطبقة السياسية الحاكمة. الشعب الذي لم يذهب الى صناديق الاقتراع هو الذي سحب البساط من الطبقة السياسية الحالية.

لكن…

لم يقدم هذا الشعب الغائب بديلا حضاريا حديثا عن النظام السياسي الحالي، لانه اكتفى فقط بالموقف السلبي، اي عدم المشاركة بالتصويت. لست مع عدم المشاركة، لكن هذا ما حصل. ويبدو ان نداء الامام السيستاني كان محدود الاثر، وكذلك عودة السيد مقتدى الصدر الى حلبة الانتخابات. مازال الشعب سلبيا. ستقول لي لانه فقد الثقة بالنظام السياسي والاحزاب الحاكمة. وسوف اوافقك الرأي. وسنبقى عند نفس النتيجة، وهي ان الشعب لم يقدم البديل الحضاري. والاحزاب التي تشكلت بعد الحركة الاصلاحية التي انطلقت بعد تظاهرات تشرين الاحتجاجية و التي اشتركت في الانتخابات لم تملك القواعد الشعبية الكافية لترفع نسبة المشاركة بالتصويت.

سيبقى الوضع العراقي على حاله، وسوف تبقى احزاب السلطة بالسلطة، وسوف يخلو البرلمان من معارضة رقابية جادة. كل هذا بغض النظر عمن سوف يعلن نفسه الكتلة النيابية الاكثر عددا. فهذا شرط اضحى شكليا، وليس له قيمة جوهرية.

يجب الاعتراف بالحقيقة المرة، بشجاعة، من اجل التقدم خطوة الى امام لاخراج العراق دولةً وشعباً من عنق الزجاجة.

لا بديل للنظام الحالي الا الدولة الحضارية الحديثة. وهذا البديل لا يتحقق بانتخابات تفوز بها القوى التقليدية، او تقاطعها القوى الجديدة؛ انما يتحقق اذا حمل لواءه وهمه مواطنون فعالون امنوا بالدولة الحضارية الحديثة، واخذوا على عاتقهم العمل بكل الطرق السلمية والقانونية من اجل اقامتها على انقاض نظام سياسي سحب الشعب البساط من تحت قدميه.

ليس في الامر خصومة او عداوة مع احد، انما هي دعوة مخلصة اوجهها للمخلصين من ابناء الشعب للتقدم والاخذ بفكرة الدولة الحضارية الحديثة واتخاذها هدفا اعلى بديلا. يتطلب الامرُ ايجابيةً ونشاطا وسعيا مستمرا في السنوات الاربع المقبلة لخوض الانتخابات بكلمة واحدة هي الدولة الحضارية الحديثة. لا تجدي المقاطعة بعد اربع سنوات اخرى، لكن من المجدي ان يبدأ العمل من الان في التثقيف على فكرة الدولة الحضارية الحديثة حتى تتحول الى هدف اعلى يحلم بتحقيقه الذين اتخذوا موقفا سلبيا من الانتخابات الحالية، ليكونوا هم اداة التغيير في الانتخابات المقبلة واصحاب المصلحة العليا في تحقيقه. لا تضيّعوا اربع سنوات اخرى من عمر البلد والشعب.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق