لا شك أن بروز الأحزاب السياسية مطلع القرن التاسع عشر يعد بمثابة ثورة في البعد السياسي، نتيجة لتنامي دورها في الحياة السياسية، اعتباراً في أنها فواعل سياسية جديدة، وأحد أجلى مرتكزات النظم الديمقراطية. غدت التعددية الحزبية ظاهرة منتشرة في الأنظمة السياسية المعاصرة ما خلا عدد يسير من الأنظمة.

تتشكل البرلمانات أو المؤسسات التشريعية في الأنظمة الديمقراطية عادة من حزبين أو أكثر، يعبر عنها بممثلين يمثلون جميع شرائح المجتمع في هذه الهيئات، بعد أن تقدم الأحزاب للهيئة الناخبة مرشحين صالحين لتولي المهام النيابية، لتؤدي هذه الأحزاب مهامها الأساسية في تحقيق التنمية والتقدم، وحماية مصالح الأفراد والمجتمع الاقتصادية وأهدافه الاستراتيجية والسياسية والأمنية وبنيانه الاجتماعي وهويته الثقافية والحضارية.

ومن خلال ما تقدم فإن الأحزاب كمؤسسات اجتماعية-سياسية لا غنى عنها فهي التي توفر للنظم الديمقراطية التنسيق الفعال بين الحاكم والمحكومين، إذ تقوم بذلك على أنها تنظيمات اجتماعية-سياسية -دستورية مهمتها تلبية حاجات الأفراد وحل مشكلاتهم، فهي تعمل على تحويل الأخيرة إلى برامج عمل واضحة وخطة محددة لأجل إيصال مطالبهم إلى صناع القرار ليأخذوا بها ويسعوا لتنفيذها.

تشكل الحكومة من الحزب الفائز في النظام الحزبي الثنائي، أو من ائتلاف حزبي في النظم الحزبية المتعددة إذ يصعب على حزب واحد أن يحوز على أغلبية من أصوات الهيئة الناخبة تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده، بينها تذهب الأحزاب الأخرى غير المشتركة في الحكومة إلى المعارضة، لتمارس دورها في توجيه ونقد الحكومة وكشف أخطائها وتحديد مسؤولياتها، بمعنى أن أحزاب المعارضة تراقب الحكومة وتنتقدها وتستعد للحلول محلها، وتقدم معلومات هامة للمواطنين عن نشاط الحكومة يتعذر عليهم الوصول إليها بوسائلهم الشخصية، وعليه فإن دور المعارضة لا مكان له إلا في ظل أنظمة ديمقراطية حقيقية، أي ثمة تلازم وثيق بين الحكم النيابي الديمقراطي وبين التعددية الحزبية، بما تعنيه من ممارسة سلطة ومعارضة.

بعد هذه المقدمة العامة عن النظم الديمقراطية وأهمية الأحزاب السياسية فيها، سواء أكان في مشاركتها في الحكومة أو في حصولها على مقاعد تمكنها من قيادة المعارضة في البرلمان، تمارس دورها وتسعى لتحقيق أهدافها في الوصول إلى السلطة وتنفيذ برامجها، ننتقل إلى الوضع العراقي، إذ تأسست الدولة العراقية في العام 1921 كدولة ملكية، بعد انتهت حقبة الدولة العثمانية باحتلال بريطانيا للعراق ودخول الجنرال مود بغداد في العام 1917.

كما دخل العراق كأول دولة عربية تنال استقلالها من بريطانيا في العام 1932 عضواً في عصبة الأمم.

شهد العراق نظاماً ملكياً برلمانياً-نيابياً تعددياُ في إطاره العام، وحتى سقوط الملكية في انقلاب 1958 الذي تحول إلى ثورة لاحقاً بفعل تأييد شعبي كبير، بدأت التعددية الحزبية تشهد تراجعاً ملحوظاً انتهت بوصول حزب البعث إلى السلطة، خاصة في عهد صدام، وتشكيل دولة الحزب المسيطر أو المهيمن إذ تواجد معه بعض الأحزاب العراقية الأخرى منها الحزبين الكرديين.

وبعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في العام 2003، شرعت دولة الاحتلال في زعمها لتشكيل نظام ديمقراطي تعددي، ودولة دستورية، فكتب قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الذي حكم من خلاله الحاكم المدني بول بريمر البلاد، الذي ترأس سلطة الائتلاف المؤقتة، ومن ثم تم كتابة دستور جمهورية العراق في عام 2005 والنافذ في العام 2006، بعد الموافقة عليه في الاستفتاء الشعبي العام، ونشره في الوقائع العراقية وتشكيل الحكومة بموجبه. وبالرغم من إن المادة الأولى من هذا الدستور تنص على أن نظام الحكم جمهوري نيابي ديمقراطي، إلاّ أن التطبيق العملي على أرض الواقع جاء بديمقراطية توافقية، عززت من المحاصصة السياسية تعدت مبدأ التوافق والمشاركة.

إن من طبيعة الديمقراطية التوافقية أن تكون هناك تعددية حزبية مفرطة في اغلب الأحيان، وهذه تفرز حكومات ضعيفة وغير مستقرة سياسياً، وتشهد مخاضات عسيرة ومساومات كثيرة لتشكيلها، وهذا ما شهده العراق في جميع حكوماته السابقة، وما قد يأتي أيضاً في المستقبل وفق طبيعة هذا النظام.

ولم يوفق هذا النظام السياسي التوافقي من أداء فاعل يحقق طموح وآمال الشعب، وأسهمت الأحزاب والكتل السياسية فيه وعرقلت أي نجاح يصبو إليه، فكانت الأخيرة جميعها تشترك في الحكومة ولم يذهب أي منها لتشكيل معارضة لتراقب وتنتقد وتقوم أداء الحكومة، مما أدى إلى اشتراكها بسوء الإدارة والفساد، وعدم تقديم أي منجز حقيقي يلتمسه المواطن، إنما عزز هذا الأداء، الضعف في كفاءة النظام السياسي وقدراته، وزاد من عجزه في مواجهة المشكلات وحل الأزمات التنموية والأمنية، حتى انتهت في العام 2014 أن تحتل مجاميع ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لعدة محافظات عراقية، بما قدر بثلث مساحة العراق تقريباً، مما استلزم التضحية بموارد بشرية ومادية باهظة لاستعادتها.

وحتى بعد هذا التاريخ استمرت هذه الأحزاب بذات النهج، ولم تغير زعاماتها من سياساتها، أو تقوم بمراجعة شاملة لتقييم وتقويم مسارها، ومعالجة نقاط الخلل والفشل، ووضع خطط وبرامج علمية وفعلية فاعلة، تخدم في بناء الدولة وخدمة المواطن، أدى بالنتيجة الى حالة من التذمر والقنوط الشعبي الواسع، من أي عملية إصلاحية أو تصحيحية.

يعيش المجتمع العراقي عموماً، مرحلة انقسام عمودي حاد، فالغالبية العظمى تميل نحو العزوف عن المشاركة في انتخابات العاشر من تشرين الأول، كرد فعل على ما تقدم من أسباب، وثمة شريحة أخرى منه تتجه نحو المشاركة، بدافع انتماء حزبي أو مصلحي، ومنها نتيجة لدعوات من بعض المؤسسات الدينية المؤثرة أو بعض المؤسسات الأكاديمية، أملاً منها في إحداث شيء من التغيير.

وبالفعل حصل هذا الأمر ما أدى الى توقع في زيادة نسب المشاركة في هذه الانتخابات. لاسيما بعد بيان مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني (دام ظلّه) الصادر بتاريخ 29/9/2021، الذي أكد على: (إن المرجعية الدينية العليا تشجّع الجميع على المشاركة الواعية والمسؤولة في الانتخابات القادمة، فإنها وإن كانت لا تخلو من بعض النواقص، ولكنها تبقى هي الطريق الأسلم للعبور بالبلد الى مستقبل يرجى أن يكون أفضل مما مضى، وبها يتفادى خطر الوقوع في مهاوي الفوضى والانسداد السياسي. وعلى الناخبين الكرام أن يأخذوا العِبَر والدروس من التجارب الماضية ويعوا قيمة أصواتهم ودورها المهم في رسم مستقبل البلد، فيستغلوا هذه الفرصة المهمة لإحداث تغيير حقيقي في إدارة الدولة وإبعاد الأيادي الفاسدة وغير الكفوءة عن مفاصلها الرئيسة، وهو أمر ممكن إن تكاتف الواعون وشاركوا في التصويت بصورة فاعلة وأحسنوا الاختيار، وبخلاف ذلك فسوف تتكرر إخفاقات المجالس النيابية السابقة والحكومات المنبثقة عنها، ولات حين مندم).

إن التغيير والإصلاح هو أمل وحلم كل فرد عراقي يتطلع لبناء دولته، وليعيش بكرامة وأمن وسلام، لكن السؤال الذي يثيره كثير من دعاة المقاطعة الانتخابية، كيف يكون ذلك (التغيير)، في ظل ذات الأحزاب وزعاماتها، وقلة حظوظ المستقلين بالفوز، أو إذا ما فاز بعضهم، فإن عددهم سيكون قليل وتأثيرهم أقل منه، كما أنه ليس بينهم اتفاق مسبق على برنامج عمل أو لعدم اتحاد رؤاهم الأيديولوجية أو منطلقاتهم الفكرية أو الثقافية، مع وجود أحزاب وكتل لديها من مقومات القوة العددية والمادية والإعلامية الشيء الكثير؟

ومهما يطرح من أسئلة أو حث من هنا وهناك، فإن الإجابة عليها أو الاستجابة لها ستكون من مؤشرات المهمة التي تحدد نسب المشاركة وفاعليتها، ومدى ما تعطي ما يلزم من مشروعية قانونية وشرعية سياسية حقيقية لنظام يعيش حالة من التصلب وعدم القدرة على المرونة والتكيف للاستجابة لحاجات ومتطلبات بيئته الداخلية والخارجية على السواء من الناحيتين الأمنية والتنموية.

اضف تعليق