الحوار هو العمود الفقري للعلاقات الانسانية البينية، بعد استبعاد الحرب. يحارب البشر بعضهم البعض الاخر حين يعجزون عن الكلام المثمر. وحتى الحرب لا تستغني عن الكلام في نهاية الامر. مفاوضات الاستسلام تغليب للكلمة على الرصاص.

أدركت البشرية بعد حروب طويلة فيما بينها انه لا خيار امامها سوى ان تتحاور وتتناقش وتتبادل الاراء وتجادل وتفعل كل ما في وسعها حتى لا تصل الى مرحلة العجز عن الكلام؛ لأن الصفحة التالية ستكون كارثية: الحرب باسلحة دمار شامل حتى لو كانت تقليدية.

في عام 1872 اعلن الكاتب والصحفي البريطاني بيغوت عن ولادة "عصر النقاش" في تاريخ البشرية معرّفاً الديمقراطية بانها "الحكم عن طريق النقاش". لكن البشرية شهدت الكثير من الحروب من بينها حربان عالميتان لان النقاش لم يترسخ لعد في العلاقات بين الامم. وفي داخل كل دولة طور علماء السياسة مثل هابرماس وراولز نمطا من الديمقراطية يعتمد على النقاش هي الديمقراطية التداولية.

في العراق لم تترسخ آلية النقاش بشكل معمق بعد. والسبب الاساسي هو الخلل القديم والحاد في المركب الحضاري اضافة الى وجود قوى اجتماعية ودينية لا تؤمن بالكلمة انما بالسيف اداة للتعامل و "التفاهم". ففي الوقت الذي تقتل فيه داعش من تسميهم الروافض لاسباب طائفية، يقتتل هؤلاء فيما بينهم لاسباب عشائرية.

المجتمع العراقي بحاجة الى تأصيل دور الكلمة في العلاقات الانسانية واعتماد الحوار والنقاش وارساء قواعد وتقاليد واسس حضارية للنقاش.

فيما يلي استعراض لبعض هذه الاسس:

1. اعتماد الحوار والنقاش الموضوعي والعلمي والهادئ وسيلة للتفاهم بين البشر بعيدا عن العنف المادي واللفظي، والقائم على اساس الاحترام المتبادل والقبول بالاخر والتسامح والتعايش.

2. اعتماد العلم الصحيح المطابق للواقع والمعرفة الصحيحة الموثقة اساسا لهذا الحوار والامتناع عن الحديث والتصرف بدون علم. "ولا تقف ما ليس لك به علم".

3. عدم تصديق الاخبار او المعلومات التي يجري نشرها وتداولها ما لم يقم الدليل على صحتها. "قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين".

4. الاسباب ليست موضوعا للنقاش، النتائج هي الموضوع. تطلب من شخص ان يأتي معك الى مكان ما، فيعتذر، لا تساله، وبالاحرى لا تناقشه عن اسبابه، فهذه من خصوصياته التي قد لا يرغب بمناقشتها مع الاخرين.

5. على من يأتي بخبر او معلومة ان يقدم دليل صدقها عند الطلب. البينة على من ادعى. الادعاء لا يصبح موضوعا للنقاش قبل اقامة الدليل عليه.

6. لا تكرر حججك اثناء النقاش. اذا تم الرد عليها، عليك ان تأتي بحجة جديدة والا خسرت النقاش.

7. النقاش لا يستهدف الاقناع، انما اقامة الحجة على صحة او خطا المدعى.

8. حافظ على موضوعية النقاش، لا تنتقل من الموضوع الى الشخص. شخصنة النقاش تخرجه عن السياق.

9. تاكد انك تناقش ما قاله الطرف الاخر، لا ما تستنتجه انت من كلامه. التحول الى الاستنتاج يضعف موقفك.

10. احرص على ان لا يسحبك الطرف الاخر الى مساحة خارج الموضوع، وانت لا تفعل هذا الشيء. حدد بوضوح موضوع النقاش (تحرير محل النزاع). وتمسك به.

11. حدد معاني المصطلحات قبل الخوض في النقاش حولها، وتأكد ان الاطراف المعنية متفقة على هذه المعاني.

12. اذا اتضح، في نقاش موضوعي، ان رايك لم يكن صحيحا، فلا تبتئس، فهذا لا ينقص من مكانتك وقيمتك الاعتبارية، فالمسالة ليست شخصية، ولا تحمل غلا على المقابل، بل اشكره لأنه ساعدك من خلال النقاش الموضوعي على ان تكون اكثر قربا من الحقيقة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق