ليس أكثر من عشرين يوما باقية على حدوث اهم الاحداث ترقبا في الأوساط السياسية والشعبية وهو اجراء الانتخابات البرلمانية التي راح بسبب المطالبة بها أكثر من خمسة آلاف بين شهيد وجريح في ثورة تشرين التي اندلعت عام 2019، وأدى الامر الى إسقاط حكومة عادل عبد المهدي ومواجهة الصعوبات والتحديات لاختيار بديل عنه يحظى بمقبولية داخلية ورضى خارجي حتى وصل الامر الى اختيار مصطفى الكاظمي رئيسا للحكومة الحالية.

من الأشياء الغريبة التي رافقت اختيار الكاظمي هو غض النظر الإيراني والموافقة الامريكية، ففي العادة ان إيران لا تريد شخصية قريبة من أمريكا تقوض نفوذها في الداخل العراقي، وهو ما تخشاه الى هذا اليوم وتدفع مقابل ذلك ثمنا باهظا من اجل البقاء مسيطرة على الارض العراقية.

او قد يكون هنالك توافق خلف الكواليس على تلك الشخصية الجدلية التي قامت بتحركات أخيرة لا يمكن فهمها مع ما يجري على الساحة العراقية من متغيرات ومجريات مختلفة، اذ اتضحت أولى العلامات التي تشير الى بقاءه في رئاسة الحكومة هي قربه وتناغمه زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر.

يوميا بعد آخر نقترب من الانتخابات بينما تزيد الأوضاع غموضا، فهنالك من يتحدث عن رغبة الكاظمي برئاسة الحكومة المقبلة، داعما توقعه بحثه الدائم وعزمه على اجراءها مبكرا مع وجود العديد من التحديات والارادات الداخلية والخارجية لمنعها من الحصول في الموعد الجديد، وهذا وحده يعتبر من أكبر التحديات التي واجهت الحكومة الحالية.

لكن الكاظمي مدعوما من الخارج اثبت قدرته على اقامتها وتحقيق هذا المطلب الجماهيري الذي تحول فيما بعد الى مزايدة سياسية، فرغبة الكاظمي هنا التصقت بدعوات السيد الصدر التي ركزت على أهمية اجراء الانتخابات واقتلاع هذه الوجوه التي لم تجن خيرا للعراق والعراقيين.

المرحلة القادمة ربما تعتبر من أكثر المراحل تعقيدا وصعوبة على الكاظمي والأطراف البقية، ففي قانون السياسية العراقية تحديدا، من يعطي بيده اليمنى يأخذ باليسرى، ولم يشذ السيد الصدر من هذه القاعدة الذهبية التي رسمت ملامح السياسة الجارية في البلد منذ تغيير النظام ولغاية الآن، اذ تم إخفاء بشاعة التصرف بغلاف التوافقية السياسية، بينما هي في الحقيقة المحاصصة الطائفية بعينها ولا تقبل توصيف آخر.

فالصدر يعلم جيدا ان رئاسة الحكومة المقبلة لا يمكن ان تكون من حصصه على الرغم من حديثه المتواصل عنها وبها، وهو ما لا تريده أمريكا وأطراف داخلية اخرى، عاملت التيار الصدري فيما سبق على انه أحد الأعداء وليس واحد من الشركاء، أضف الى ذلك إيران التي لا تريد صعود نجم التيار الصدري لعدم تمكنها من ترويضه بالكامل وجعله يرضخ لإرادتها.

فالكاظمي المتهم بالقرب من أمريكا كيف له ان يقترب من الصدر الذي شهر السلاح بوجه المحتل؟، ويعتبر القطب الرئيس من اقطاب المقاومة ضد الاحتلال منذ عام 2003 وحتى اللحظة، لكن بأساليب وطرق مختلفة، وهنا تكون مهمة الكاظمي القادمة تحفها المخاطر وتحيط بها التساؤلات حول إمكانية خلق التوازن بين الارادتين من جهة والإرادة الشعبية والضغط الجماهيري من جهة أخرى.

العديد من الأسئلة تطرح الآن، هل سيواصل الكاظمي طريقه بهذا الغموض لامتلاك المشروعية الكافية لرئاسة الحكومة المقبلة؟، معتمدا بتحقيق ذلك على الحلفاء في حال وجدو، بعيدا عن وجود برنامج انتخابي ذو ملامح واضحة قابلة للتنفيذ، في ظل التجاذبات والتحالفات الجديدة التي تريد ان تغير وجه الخارطة السياسية القائمة في الوقت الحالي، والتي اخذت فرصتها دون تحقيق رغبات الجماهير المتطلعة.

فقرب السيد الصدر يمكن ان نعده علامة فاصلة بالمشهد السياسي العراقي، فلأول مرة تذهب الأمور بهذا الاتجاه، وقد يكون هنالك من يحرك خيوط اللعبة، وتكون شخصية وتحركات الكاظمي مجرد مفعول به وليس فاعل سيتم التخلص منها بمجرد ان تنتهي مهمتها في الانتخابات القادمة، وهو ما يقترب من الحقيقة، بحكم سياسته وتعامله مع الفصائل الموالية لإيران وسعيه الحثيث على تحجيم تحركاتها.

الضبابية التي تسود في العراق وحالة عدم الاستقرار جعلت المواطنين يخشون الأيام القادمة كونهم لا يعرفون كيف تسير بلادهم وأين سيستقر بها المطاف، لكن ما يعلمه الجميع أن هذه الحالة خطر على البلاد ومستقبلها، وتبقى جميع السيناريوهات المكتوبة والمحتمل وقوعها في المستقبل لا تخرج عن إطار التكهنات وللكواليس حكايات أخرى لا يعلمها الى من يشترك بنسج خيوطها.

وجدير بالذكر أن السيد مصطفى الكاظمي رئيس مجلس الوزراء لا يمتلك حليفا سياسيا يعتمد عليه للمضي في برنامجه الغامض، فهو كثيرا ما يحمل الأحزاب السياسية التي ادارت شؤون البلاد المسؤولية الكاملة لما وصل اليه العراق، واصفا ذلك بـ(التركة الثقيلة)، وانه كالشعب العراقي وقع ضحية السياسات الخاطئة، وهذا كله لن يغير من الواقع شيء مالم تكون هنالك صحوة شعبية وإرادة حقيقية لتغيير الأوضاع عبر ورقة الاقتراع.

اضف تعليق