تعد الانتخابات الآلية الديمقراطية المعبرة عن ارادة الشعب في من يمثلهم في البرلمان لذلك سعت الدول الديمقراطية الى ضمانها من خلال توفير المتطلبات الضامنة والمحققة لنجاحها بعيدا عن عمليات التزوير، فتهيئة البيئة اللازمة لها ابتداءا من تشريع قوانين ذات انظمة انتخابية معبرة بشكل تام عن ارادة الناخبين وتوجهاتهم وتوسطا بضمان نزاهتها من خلال التعاون مع المنظمات الدولية والمهتمة بالشأن الانتخابي لمراقبتها.

واخيرا بتوفير الأمن اللازم لها من قبل السلطات المختصة لتكون عملية سليمة يطمئن لها الجميع سواء الناخب والمرشح والمراقب وغيرهم، اذ تشهد الانظمة السياسية الناشئة والمتحولة الى الديمقراطية حديثا عمليات عنف تستهدف العملية السياسية عموما والانتخابية على وجه الخصوص.

فقد رافق جميع الانتخابات في العراق بعد العام 2003م عمليات عنف ضد المرشحين والناخبين والمراقبين اسهمت في بعض الاحيان في العزوف الانتخابي من قبل تلك الاطراف، ومع قيام الاحتجاجات الشعبية في تشرين الاول للعام 2019م وما رافقها من مطالب عدة يأتي في مقدمتها تغير قانون الانتخابات واجراء انتخابات مبكرة تعبر عن ارادة الشعب الحقيقية، لذلك عمدت الحكومة العراقية في الاستجابة لتلك المطالب واكد رئيس الحكومة (مصطفى الكاظمي) "على ان نجاح الحكومة مرتبط بنجاح تلك العملية الانتخابية".

العوامل المؤثرة في البيئة الانتخابية

تواجه العملية الانتخابية في العراق عدة مخاطر وتحديات تتمثل في وجود عصابات داعش الارهابية التي تنشط بين الحين والاخر والتي تهدد اجراء الانتخابات ونشر الرعب في نفوس الناخبين واخرها ما حدث في مدينة كركوك، اضافة الى عمليات الاغتيال التي حديث مؤخرا بحق مرشحي تحالف عزم فمن جانبه حذرت منظمة (هيومن رايتس ووتش) من مناخ الخوف الذي يخلقه تصاعد عمليات اغتيال الناشطين الداعين إلى التغيير ما يؤدي إلى الحد من مشاركتهم فيها، وقالت: “في حال لم تكن السلطات العراقية قادرة على اتخاذ خطوات عاجلة لوقف عمليات القتل خارج نطاق القضاء، فإن مناخ الخوف الملموس سيحدّ بشدة من قدرة أولئك الذين كانوا يدعون إلى التغيير عبر المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة”، لذا على الاجهزة الامنية بكل صنوفها وخاصة تلك الاستخبارية العمل الإستباقي وتوفير المعلومات الاستخبارية عن تلك العصابات.

لا يقتصر على ذلك فحسب بل هناك تحديا لا يقل خطورة وهو انتشار السلاح المنفلت الذي يثير مخاوف الكتل والاحزاب السياسية التي لا تمتلك اجنحة عسكرية مما يدفع انتشار السلاح خارج سلطة الدولة الناخب العراقي الى المقاطعة لإدراكه عبثية الذهاب الى صناديق الاقتراع والادلاء بصوته لانتخاب من يمثله في ظل هيمنة السلاح المنفلت فضلا عن تحدي هيمنة سلطة العشائر والاحزاب المتسيدة على المشهد السياسي منذ العام 2003م، مما يستدعي ويتطلب من القوات الامنية العمل على كيفية خلق شعور الاطمئنان لدى الجميع لخوض هذه العملية وانها تقف على خط واحد من جميع تلك الكتل والاحزاب وهذا يعني تحقيق المزيد من الاستقلالية لتك الاجهزة.

متطلبات نجاح العملية الانتخابية في العراق (الامن الانتخابي)

تتطلب اجراء الانتخابات اتخاذ العديد من الخطوات التي تقع على عاتق الاجهزة الامنية القيام بها والتي تتمثل في تحقيق ما يلي:

1- أمن الناخب: توفير بيئة امنة له والابتعاد عن العنف الانتخابي من خلال التأثير على سلوكه الانتخابي والتهديد والوعيد من قبل افراد اخرين وجهات متنفذة والابتعاد عن المشاعر العدوانية لذا من مستلزمات اعادة ثقة الناخب بالعملية الانتخابية تتمثل في قدرة الاجهزة الامنية على حماية الافراد من جميع تلك التهديدات.

2- أمن المرشح: يتحقق ذلك من خلال توفير الامن الشخصي له حيث شهدت الايام السابقة مجموعة من الاغتيالات والهجمات على تجمعات المرشحين لأحزاب معينة، اضافة الى حماية الدعايات الانتخابية (الورقية والمرئية) حيث شهدت العاصمة بغداد وبعض المحافظات تمزيق الدعايات الانتخابية لبعض المرشحين وخصوصا الجديدة منها، رغم ان المفوضية فرضت غرامة مالية على المخربين والمرشحين في حال مخالفة ضوابط الدعاية الانتخابية التي فرضتها المفوضية، الا انها لم تكن كافية للحد من ذلك الاستهداف، لذلك تقع تلك المهمة على عاتق الاجهزة الاستخبارية (جهاز الامن الوطني- المخابرات- الاستخبارات العسكرية) الى معرفة تلك الجهات من خلال عمليات التحري والمراقبة والقبض عليها لتنال جزاءها امام القضاء وليشعر المرشح بدور الاجهزة الامنية المحايد والمستقل.

3- أمن المنشأة: وذلك من خلال تواجد القوات الامنية بالقرب من مراكز الاقتراع وحماية المعدات الانتخابية وعدم تعرضها للاعتداء والتدمير سواء من قبل العصابات الارهابية او المخربين والتعامل بحزم مع كل فرد يحاول تعكير اجواء الانتخابات وحماية الناخب اثناء وصوله الى المركز الانتخابي.

4- أمن صناديق الاقتراع: يتطلب توفير بيئة امنة لتلك الصناديق ويكون على مرحلتين الاولى خلال وقت التصويت اذ تقع المهمة على عاتق القوات الامنية المتواجدة للحفاظ عليها من المخربين كما يقع على المراقبين المحليين والدوليين منع عمليات التزوير وغيرها، لتأتي المرحلة الاهم وهي ما بعد التصويت وتتمثل في تأمين نقل صناديق الاقتراع وعدم تكرار السيناريوهات السابقة المتمثلة في احتراق الصناديق وضياع الاصوات في انتخابات عام 2018م مما اثر على مخرجاتها وضعف الثقة والتشكيك بها.

لذلك نرى ان دور الاجهزة الامنية يرتكز على مايلي:

1- وقوف الاجهزة الامنية بكافة صنوفها ومنتسبيها على مسافة واحدة وبصورة محايدة من جميع القوى السياسية ومنع التدخل في الشأن الانتخابي.

2- ابعاد افراد المؤسسة الامنية عن التبعية للقادة والامريين من اجل بقاء المؤسسة الامنية تتمتع بتلك الاستقلالية التي تبعث الامن والامل للمرشح والناخب.

3- تكثيف الجهد الاستخباري وجمع المعلومات الاستباقية لكل التحركات المشبوهة التي تحاول النيل من العملية الانتخابية وافشالها.

4- العمل على نشر الثقافة والتوعية الامنية للمرشحين والناخبين من اجل خلق روح التعاون المشترك بين القوات الامنية والفرد لتوفير البيئة الامنية المناسبة.

5- العمل على الحد من مروجي الاشاعات بمختلف اشكالها خاصة الالكترونية منها وتفعيل الجهد الامني الالكتروني لمراقبة تلك الصفحات ومحاسبتها.

6- على الجهات ذات العلاقة متابعة عمليات بيع بطاقات الناخب لجهات متنفذة والحد من عمليات الاجبار والترهيب للناخب اثناء التصويت من قبل بعض الافراد مما يستدعي تشخصيهم وتقديمهم للعدالة لضمان النزاهة الانتخابية.

* طالب دكتوراه/علوم سياسية

اضف تعليق