لم يكن اشد الناس تشاؤما يتوقع ان تنهار حكومة حزب العدالة والتنمية المغربي (اسلامي معتدل) بانتخابات نموذجية، اذ ان كل التوقعات كانت تشير الى ان الحزب سيحصد المركز الاول، استنادا الى الاستطلاعات والرصد الاعلامي، وان اشارت هذه التوقعات الى ان العدالة والتنمية قد لا يحقق العدد ذاته، (125) نائبا الذي تمكن به ان يشكل الحكومة الثانية، بعد حكومة عبد الاله بنكيران، الزعيم الاول للحزب، رئيس الوزراء الاسلامي الاول بعد تعديلات الدستور (2011) التي فرضتها رياح الربيع العربي، والتي استوعبتها النخبة المغربية بكثير من العقلانية وقليل من الشعارات والطموحات.

حكم الاسلاميون اذن ثمانية اعوام، واجهوا خلالها ازمات البطالة والفقر والكورونا وصعوبات الاستجابة لمشكلات مجتمعية واقتصادية متراكمة، نجحوا في بعضها ولم يحققوا اهداف (البديل) الاسلامي الذي كانوا يعدون به الجمهور، حتى مع تنازل كبير بمستوى التطبيع مع اسرائيل، فلم تشفع لهم هذه التنازلات في كسب الدعم الدولي الذي يمكنهم من استرضاء الجمهور، المتحفز لاختبار قدراتهم الادارية وادواتهم السياسية، هكذا بسهولة انتهت التجربة السياسية للعدالة والتنمية المغربي، بعد ان جاء ترتيبه في ذيل قائمة الفائزين في الانتخابات البرلمانية، خاسرا (113) مقعدا مرة واحدة، بالمستوى الذي لا يؤهله لأي دور سياسي في المرحلة القادمة.

العقوبة التي تلقاها اسلاميو المغرب ديمقراطيا وشعبيا، اهون بكثير في نتائجها السلبية مما جرى في تونس، ابتداءً من 25 تموز 2021 بالقرارات التي إتخذها الرئيس قيس سعيد، والتي اخرج فيها حزب النهضة من دائرة التأثير الحكومي والسياسي، وترك الحزب يصارع داخليا وخارجيا بين جيلين من قادته، جيل الشيوخ الذي تجمد فكرهم واداءهم السياسي (الغنوشي نموذجا)، وجيل الشباب المرن الذي بدأ يتعلم من تجاربه السياسية وتجارب الاخرين.

لكنه اصطدم بشرعية وزعامة الرموز التاريخية، وقدرتها على الهيمنة على قواعد الحزب والاستمرار في السلطة، ثم اكتشفوا اخيرا ان نهاية اعمارهم السياسية كانت نهاية فاشلة، شأنهم شأن الاخوان المسلمين المصريين الذين سقطوا في اقل من 15 شهرا، باعراض الناس عنهم وخروجهم عليهم، قبل ان تسقطهم المؤسسة العسكرية المتربصة، وهي الاقوى من كل الاحزاب والمؤسسات والاذرع في الحياة السياسية المصرية.

تجربة ضخمة ينبغي ان يلتقطها الاسلام السياسي العراقي بكل اطيافه، القديمة والجديدة، المتشددة والمعتدلة، فقد ظهر بوضوح ان نجاح الإسلاميين (باستثناء التجربتين الماليزية والتركية، بسبب اختلاف المسار السياسي والرؤية الايديولوجية) رهين بمعركة حاسمة ذات مضمون ايديولوجي كبير، ينجح الاسلاميون في التعبئة ذات المضمون الرمزي والايديولوجي، احتلال/ استعمار، جهاد/ مقاومة.

لكن النجاح يكون ضئيلا أو معدوما حينما تصل النوبة الى تحقيق مضمون الشعار الاثير، الاسلام هو الحل، فنادرة هي تجارب النجاح التنموي والسياسي والثقافي، برؤية معاصرة متصالحة مع ذاتها ومع محيطها الخارجي، حتى المعتدلين من الاسلاميين الذين لا يكثرون من الحديث عن النموذج الحضاري المتمايز!

ويتواضعون كثيرا امام تحديات الواقع، يواجهون صعوبات جمة في ترجمة افكارهم وتحقيق اهدافهم، بما يدفع الى الدعوة الى قراءة معمقة لتجارب الاسلاميين عموما، والى اعادة فحص الافكار والاهداف، وقراءة المجتمع قراءة تتجاوز ثنائية الاسلامي والعلماني، الاصيل والمتغرب، المؤمن بالمنظومة الاسلامية والخارج منها.

المشكلة اعمق من القاء تبعات الفشل على المؤامرات والاعداء والظروف الخارجية والمعارك المتعددة، فهذه جزء من المشكلة وليس كلها، المشكلة في جذرها ليس في تجربة افكار واعادة الاعتبار لثقافة تقليدية بخطاب معاصر، المشكلة مشكلة اجيال واحتياجات ومنظورات مجتمعية لدور الدولة الحديثة ومسؤولية السلطات وماهية المؤسسات والفلسفات السياسية القادرة على ادارة الاجتماع السياسي وتدوير الثقافة المجتمعية.

ينجح الاسلاميون في لعبة حمل السلاح وتصوير الصراع، صراع ايمان وكفر، استكبار واستضعاف، لكن هذا النجاح يصطدم بصعوبات اليوم الثاني بعد الانتصار، كيفية ادارة المجتمع وتلبية الاحتياجات وضمان العيش الكريم والتنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية، وفي ادارة العلاقات الداخلية والخارجية في لحظة معقدة ملتبسة.

صار واضحا ان حظوظ الاسلاميين مع السلاح اكبر منها بكثير مع برامج السلم والانتخابات والديمقراطية وتحديات اقناع الشارع والاجيال بفكرهم وشعاراتهم، لقد تغيرت وتعقدت الحياة المعاصرة واستنفذ شعار (الاسلام هو الحل) اغراضه بعد حصاد تجارب كثيرة، ويتعين على الاسلامي الذي يريد البناء والسلام والتنمية ان يفكر بشعاراته ومضمون افكاره وايديولوجيته كثيرا، نحو مضمون يركز على مقاصد الشريعة لا مظاهرها وصورها الخارجية، مقاصد الشريعة قد يحققها من لا يعرفها ولا يتبناها شعارا، وهي مقاصد تلبي حاجات المجتمع الانساني في ان يعيش آمنا بلا تهديد ولا قلق، محافظا على نفسه ودينه وعقله وعرضه وماله، كما عرضها الامام الشاطبي الغرناطي (توفي 1388م -790ه) في القرن الثامن الهجري، قبل مائة عام من انتهاء الوجود الاسلامي في الاندلس، وبعد حصاد تجارب حكم ودول اسلامية عديدة.

واعاد التذكير بها العالم التونسي الطاهر بن عاشور (1879-1973)، وحاول علماء المسلمين ان يترجموها ابّان معايشتهم ومعاصرتهم لتحولات الفكر والسياسة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين فيما سمي بالاصلاحية الاسلامية، وقبل ان يولد شعار الاسلام هو الحل.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق