يضيق ذرعا رجل قروي مثلي بالمناطق المزدحمة بشرا وبنايات، تُنافس فيها (التكاتك) والدرجات النارية السيارات، وتتحرك الجموع في مساحات ضيقة، لا أدري بالضبط ما هي المساحة المفترضة لكل فرد في المدن ليشعر بالاسترخاء؟، دون أن تحاصره الأنفاس المتقاربة حد الاختناق، والأجساد المتعرقة بحرارة آب اللهاب، والمحشورة في بيوت ضيقة لا تتجاوز مساحتها 160 مترا، حتى كأن العوائل حشرت في علب سردين بعد مرور عقود على بيوت لم تتغير او تتسع، فاضطرها الفقر الى شطرها الى ثلاثة او أربعة أجزاء، كيف لا يشعر المرء بالقرف، وضوضاء الحركة وضجيج المولدات وغازات العوادم تهيمن على المكان.

هذا مكان لا يمكن له الا أن ينتج مشكلات اجتماعية ونفسية لا تخطر على بال، واذا استغربنا الطافي منها على السطح، فان الغاطس أغرب من الخيال، لا نوافذ للتنفس، ولا سطوح بدون عيون الآخرين، ولا أبوب بلا أبواب مقابلة، ومع هذه الزحمة انعدمت جميع قنوات الترفيه والمساحات الخضراء.

في الواقع لم تتحقق لي زيارة الهند حتى الآن، لكن تشكلت عنها صورة نمطية لا أستطيع الحديث عن شكلها، واتضح من وسائل الاعلام كثرة عدد سكانها، وفقر الكثير منهم، وضيق الأمكنة التي يعيشون فيها، لكن الهند التي في الأذهان غير التي في الواقع، فقد خلفتنا وراءها مع ان بداياتنا التنموية كانت متماثلة، وكنا الأكثر نموا من البرازيل وسنغافورا وماليزيا، لكن الغرب لا يريد لبلدنا التقدم، واغتنم فرصة تدميره من أخطاء الذين يديرون الدولة بعقلية العشيرة بما أعاده الى عصر ما قبل الصناعة بحسب نبوءة جيمس بيكر لطارق عزيز.

وجاء النشامى بادعاء صنع عراق جديد، لكن اللعاب سال على الخيرات، فصار الفساد حاكما والشعب بين من سكن العراء ومن حُشر في علب السردين. دون أن يتحرك للنشامى ضمير وهم ينعمون ببيوت فارهة على شواطيء المتوسط، ويتلذذون ليلا بنسائمه في الأماكن التي تعرفون.

بي رغبة عارمة لزيارة الهند، وتحققت هذه الرغبة عندما دعاني أحد أقاربي من سكنة مدينة الشعلة ببغداد لمناسبة اجتماعية، ومع اني حذر من الأماكن المزدحمة تحسبا من كورونا، لكن وقفت التقاليد حائلا دون الاعتذار، فذهبت على مضض فرأيت الهند بأم عيني كما وصفتها في بداية المقال.

وخرجت منها هاربا، وفي ذهني سؤال كيف لهؤلاء الناس أن يعيشوا بهذه الطريقة؟، بالتأكيد حال مدينة الشعلة ينطبق على مدينة الصدر، وانتهيت الى لعن السياسية ومن يسوس سابقا وحاضرا.

يعرف المسؤولون ان سكان هذه المناطق يشكلون أكثر من نصف سكان العاصمة، وان حدة أزمة السكن في العراق تتمثل بالدرجة الأساس في العاصمة، وحل أزمة السكن في واحدة من المناطق التي ذكرتها، يخفف من شدتها في جميع أرجاء البلاد بتخفيض أسعار الأراضي وتقليل بدلات الايجار وغيرها من المشكلات الاجتماعية والنفسية.

لا أظن على الاطلاق ان التقديم الالكتروني على الأراضي السكنية التي تعتزم الحكومة توزيعها سيحل الأزمة، بل ستكون مجالا للفرهود ومرتعا للفساد، فقد بلغ المتقدمون أكثر من ثلاثة ملايين، وسيزداد العدد بما لا تتصوره الحكومة اذا ظل باب التقديم مفتوحا. وتذكرني هذه الطريقة بالترشح الالكتروني الذي أعلنه السيد عادل عبد المهدي للمواقع الوزارية في حكومته، وانتهت بمحاصصة أبشع مما جرى في السنوات السابقة.

التخبط الذي لمسناه من الحكومات المتعاقبة يفيد بافتقادنا للفكر العملي، أتذكر لقاء صحفيا أجريته مع أمين بغداد صابر العيساوي أواخر عام 2007 تحدثنا فيه عن مشروع 10 x 10 المخطط تطبيقه في مدينة الصدر، وتحدث الرجل عن أحلام قابلة للتحقيق، لكن العيساوي اقتلع من موقعه حتى قبل أن تخضّر حدائقه التي ملأ بها بغداد. اذا أردتم جولة سياحية للهند وليس طبية، أمامكم مدينتي الشعلة والصدر، وما عليكم سوى اختيار الشخص الذي ستلعنونه دنيا وآخرة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق