كثر الحديث عن سيادة الدولة وتباعدت وتقاربت الآراء الاكاديمية عن سيادة ما بعد العولمة، كما اختلفت الآراء عن سيادة عراق ما قبل وبعد الاحتلال ٢٠٠٣، والنفوذ الإقليمي حيث يوازي في موقعه الجغرافي ثلاثة دول اقليمية إيران، تركيا، السعودية، وما بين هذا وذاك انبرت التحليلات لتوصيف مضمون السيادة في السلوك السياسي والمجتمعي والاقتصادي.

في خضم كل ما تقدم لا تبدو عندي سيادة العراق الا في سيادة القرار، كما هي سيادة الاب في القرار داخل عائلته، كونه الاعرف بالمصلحة العامة لهذه العائلة وهكذا يتصاعد الامر باتجاه المنظومة الإدارية للمجتمعات الصغيرة او الشركات ذات النشاط المحدود، وصولا الى سيادة القرار في الامن القومي، وعلى هذا الأساس طورت الشعوب والأمم مفهوم اتخاذ القرار واجراءاته ومستويات السلطة المخولة من الشعب كسلطة اعلان الحرب والسلم....الخ.

خلال مناقشات برنامج أزمة سيادة العراق الذي انتبه له ملتقى بحر العلوم الفكري في مبادرة نوعية مثابرة هناك خشية من تعريف الامور بالمسميات الصحيحة وتشخيص الاخطاء بعناوينها المباشرة، ربما لأسباب معروفة عن المجاملة السياسية وكياسة اهل الملتقى لكن أزمة سيادة العراق ليست في التوصيف الاكاديمي بل في جوهر التطبيق العملياتي الفاضح لاجندات حزبية متعارضة ومتضاربة تلغي سيادة القرار العراقي وتصبح مجرد وكيلا لتنفيذ ارادات إقليمية ودولية.

هنا مكمن الفارق بين طروحات أكاديمية تنظر لمفهوم سيادة الدولة وحل ازمتها وبين نفاذ القانون لتجريم الاتصال بالاجنبي وقت الحرب، وتعريف الخيانة العظمى عند من خوله الشعب سلطة إتخاذ القرار، في ابسط مثال على ذلك من يمكن اتهامه بالخيانة العظمى في سقوط الموصل التي نعيش ذكرى واقعتها الماساوية هذه الأيام مقابل سلطة اتخاذ قرار غير سيادي مثلته فتوى الجهاد الكفائي من خارج الإطار العام للدستور العراقي التي خلقت الرد الفاعل شعبيا على خيانة سلطة سيادية انتهت بسقوط ثلث الأراضي العراقية بيد عصابات داعش الارهابية!

في مثل هذه الوقائع لابد من شجاعة طرح سيادة القرار ما بين الواقع والنظرية، لان السياسة في احد تعريفاتها تمثل فن ادارة الدولة، والدولة لها ثلاث أضلاع معروفة تتمثل في مجموعة سكانية وقطعة ارض بحدود معترف بها دوليا ونظام سياسي بعقد اجتماعي دستوري.

جل ما اتمناه لكل من يرغب بالتصدي لازمة السيادة العراقية ان يفتح دمامل التطبيق، وعدم الوقوف على تل النظريات الاكاديمية لعل وعسى تفهم من هذا او ذاك الذين يتصدون لسلطان الحكم اليوم.

من دون معالجة واقعية صريحة ومباشرة تنتهي الى وضع استراتيجية ادارة الدولة (THEGRANT STRATEGY) نبقى مثل سزيف ندفع صخرة السيادة نحو الاعلى لتعود مرة أخرى تتدرج نحو الاسفل. ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق