حسنًا فعل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، عندما أعلن تحويل مكان ارتكاب "مجزرة سبايكر" إلى متحف للذاكرة، فهذه المبادرة مهمة لاستذكار الجريمة والاستفادة من دورسها بغية عدم تكرارها.

ولم يجانب الصواب حين قال أن "هذا المكان شهد إحدى أبشع المجازر التي يندى لها جبين الإنسانية. هذه الدماء البريئة التي سقطت هنا أيقظت الوجدان العراقي عند كل أطياف الشعب".

فقد "كانت هذه الدماء دافعا لإنجاز النصر الكبير الذي حققه العراقيون أمام أعتى قوة إرهابية، وعززت الهوية الوطنية العراقية ووحدت العراقيين جميعا". والكلام لرئيس الوزراء.

وهذا جزء من الذاكرة العراقية التي يجب ان تبقى حاضرة تروي ما جرى للأجيال اللاحقة، وتعرفهم بأسباب المجزرة وطريقة تعاطي العراقيين معها، وكيف تجنبوا انهيار جدار السلم المجتمعي، بل تحولت هذه المجزرة وما تبعها من عمليات إرهابية قامت بها داعش بعد احتلال الموصل وتكريت والرمادي وأجزاء كبيرة من ديالى وكركوك.

كل الجرائم تلك يجب أن توثق عبر الكتب والفيديوهات المصورة، والأهم توثيق الجريمة في مكانها، حتى تبقى شاهدًا حيًا ومعلمًا يذكرنا دائمًا بأن هذا المكان كان في يوم ما مسرحًا للجريمة.

مسرح الجريمة هذا لا نقبل بتحويله إلى مجرد مزار للبكاء رغم ما للحدث من مأساة، فالبكاء من المسلمات عند استذكار المجازر، لكننا نريد التوثيق وتثبيت الاتي:

1- تثبيت أسماء من تسبب بالجريمة، ورفض الدخول في لعبة الاجرام، ومن تخاذل ومن ساهم ولو بشكل غير مباشر عبر الإهمال والتقصير.

2- أسماء وسائل الإعلام التي وقفت مدافعة عن الجناة، وكيف ساهمت في تأجيج الشارع العراقي خلال فترة ارتكاب المجزرة، كلها يجب توثق بدون خوف أو خجل، مثل لم تخجل تلك المؤسسات من الشعب العراقي وهي تحرض الإرهابيين يجب أن لا نخجل منها ونصارحها بالحقيقة.

3- تثبيت تقرير اللجان التحقيقية ووضعها في لافتات كبيرة، فضلا عن توثيقها في كتب وكراسات تفصيلية.

4- بناء مكتبة كبيرة متخصصة بمجزرة سبايكر.

5- تثبيت أسماء الجهات التي ساهمت بتحرير الأرض التي وقعت فيها المجزرة.

ولا نريد من المصارحة رفع راية الثارات ولغة التهديد والوعيد، فهذه اللغة مرفوضة جملة وتفصيلًا فلا خاسر في الحرب سوى الأبرياء، أما دعاة الثارات والحرب فهم في مأمن، ولأننا ندافع عن الأبرياء نرفض استخدام اسمهم لشن حرب جديدة.

هل هذه اقصى مطالبنا من الحكومة؟ بالتأكيد لا، الحكومة التي تريد بناء متحف لذاكرة مجزرة سبايكر ارتكبت العديد من الخطايا بعد حملة رفض السيطرات الخارجية في بغداد والمحافظات، كنا نمني النفس بتعميم تجربة متحف سبايكر على جميع المحافظات العراقية.

والفكرة التي نستعرضها هي تحويل احدى السيطرات الرئيسية في كل محافظة إلى متحف كبير يستوعب جميع صور الجرائم التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية خلال السنين الماضية منذ 2003 وحتى هذه اللحظة.

من خلال توثيق هذه الاحداث والعمليات الإرهابية ودور القوات الأمنية في حفظ الامن للمواطنين، نخلق عملية تواصل مع الاجيار اللاحقة ونضع جرس انذار دائم يذكرهم بما حدث لاسلافهم، لعلهم ييستفيدون من الدرس القاسي الذي تجرعناه بالم.

ومما يؤسف له أن النظام الحالي الذي جاء بعد سقوط حكم صدام حسين اغفل مسألة توثيق جرائم حزب البعث عبر تحويل مقرات الجريمة الى متاحف، فكانت النتيجة نسيان الجريمة واحتفال نسبة كبيرة من الجيل الجديد بالبطولات الوهمية لصدام، فلو تحولت السجون الرئيسية الى متاحف كبيرة توثق الزمان وتعتقل الحقبة الصدامية لما تعرضنا لنكسة احتفال الجيل الجديد بجرائم صدام.

ومن أجل عدم تكرار الخطأ السابق، ندعو الحكومة والجهات الفاعلة ووزارة الداخلية ووزارة الثقافة وكل القوى المهتمة بالشأن العام، تبني مشروع "متحف الجريمة" في كل محافظة، عبر اختيار احد مقرات السيطرات الأمنية التي تعرضت لانتكاسات امنية متكررة وتحويلها الى متحف، يجمع كل ما يتعلق بالجرائم التي تعرضت لها المحافظة خلال فترة الإرهاب التي ضربت العراق.

اضف تعليق