تتضارب الآراء بين مؤيد ومعارض لإمكانية الاعتماد على المرجعيات الدينية لأداء الأدوار في المجال الدبلوماسي والسياسة الخارجية وإدارة الأزمات، ويستند كل طرف في هذا الموقف إلى منطلقاته السياسية وموقفه من الدين أساسا، إضافة إلى طبيعة الأنظمة السياسية فيما لو كانت تعددية تسمح بالمشاركة لمثل هكذا أدوار أو تسلطية شمولية تعارض وتمنع مثل هكذا مشاركة أو إطلاع.

فالأنظمة التعددية تتيح روح المبادرة وكثرة البدائل وتنوعها وقد تسمح بالنقد الذي يعمل على تقليل الأخطاء الدبلوماسية التي قد تهدد مصير الدولة واستقرارها، ويثق الشعب في هذه الأنظمة إلى حد كبير بأهلية المرجعيات الدينية في تقرير أهداف السياسة العامة للدولة ومنها أداء أدوار إيجابية في مسائل السياسة الخارجية وإدارة الأزمات الدبلوماسية وغيرها، لأن في هذه المجتمعات هنالك تأثير للمرجعيات الدينية في السياسة مع اختلاف مبانيها الفقهية فيما لو كانت محتاطة يتم الاسترشاد بآرائها ومناصحاتها أو كانت تؤمن بالتدخل وإدارة الشأن السياسي، ففي كلا الحالتين هنالك ثقة مجتمعية بقدرة هذه المرجعيات بتصويب الأوضاع العامة وتقرير الإصلاحات التي تحتاج إليها الدولة وهذا ينطبق على الدبلوماسية والسياسة الخارجية.

في حين أن الأنظمة التسلطية تتسم طبيعة عملها السياسي والدبلوماسي بالسرية والتخطيط والتوجيه الإيديولوجي وتتحجج بأن الشعب والنخب والفواعل الاجتماعية تفتقد للدراية الكافية بالسياسة العامة للدولة، ولهذا تفضل إدارة السياسة الخارجية والدبلوماسية بعيدا عن التأثيرات المباشرة والإعلامية، وتتبع هذه الأنظمة أسلوب حرية التصرف وتحررها من الاستجابة لمطالب واهتمامات الشعب وعدم اكتراثها بأي جماعة ضغط أو مصالح إن كانت موجود أساسا، وتلجأ أيضا إلى اتخاذ قرارات سريعة مرتبطة برؤية القيادة أو الحزب الحاكم، وتغيّب المعلومات المرتبطة بالدبلوماسية والسياسة الخارجية وتجعل من الرأي العام والمرجعيات الدينية وغيرها، لا يملكون القدرة في التأثير والتوجيه أو المشاركة واستباق الأمور في هذه الجوانب، إضافة إلى إيمان هذه الأنظمة وجزء من شعوبها أحيانا بوجود تعارض بين الدين والسياسة.

مع ذلك يمكن الجزم أن عملية صنع السياسة الخارجية وتنفيذ الدبلوماسية تعد من الثوابت الأساسية والمركزية للسلطة التنفيذية في جميع الأنظمة السياسية سواء كانت ديمقراطية أم تسلطية وبغض النظر عن طبيعة تلك الأنظمة إن كانت برلمانية أو رئاسية وغيرها.

مع أن النظم الديمقراطية تقتضي وجود فضاءات واسعة للنقاش العلني وتبادل الآراء، كما تقتضي أن يكون للمواطن والأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني الحق أساسا في المشاركة والنقاش في السياسات العامة، إلا أن السرية ومن خصائص السياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي تحديدا في القضايا الستراتيجية الحساسة والحاسمة، أي أن هذه السرية لا تمارس إلا في هذه الملفات الشائكة التي تتطلب تنازلات واخذ وعطاء أثناء المفاوضات، وآليات اشتغال المؤسسات والجهات الرقابية والتشريعية والدينية والمدنية تتعارض مع ما ينبغي أن تحاط به هذه الملفات من تكتم وسرعة تنفيذ وديناميكية.

لكن بالضرورة أن تمارس الأنظمة التعددية الديمقراطية سياسة خارجية سليمة ودبلوماسية فاعلة وعادلة قادرة على إدارة وحل الأزمات، رغم أنها تدير هذه الملفات وفقا لمجموعة من القواعد والإجراءات والنصوص الثابتة لإدارة النزاعات وحلها، لكن في العادة يعمد الفاعلون السياسيون في هذه الأنظمة إلى التلاعب باستمرار بها وفقا للمصالح الخاصة وحسابات الربح والخسارة، ويميلون إلى السلوك الصراعي رغم عدم رغبة أنظمتهم بذلك وميولها للسلم وترددها الدخول أو المشاركة في الحروب وسياسة المحاور المتنافسة.

أي أن اللجوء إلى القوة وارد في النظم الديمقراطية كما هو الحال في النظم التسلطية التي تميل إلى العدوان والحرب، إذ رغم إعلاءها من شأن القانون على آليات الإكراه والضغط إلا أنها لا تهمل القوة التي تسبب ارتباكا في العمل الدبلوماسي واختلالا في السياسة الخارجية وعدم السيطرة على إدارة الأزمات الناجمة عن ذلك، وهذا يحصل في العادة في الأنظمة السياسية المتحولة حديثا للديمقراطية والمتخلصة من الدكتاتورية، فإنها تعاني من ذلك بشكل واضح، وهذا يفسح المجال واسعا بشكل واقعي وضروري إلى بروز ادوار جهوية أخرى في الإسهام والتأثير في المجال الدبلوماسي ومواجهة الأزمات وإدارتها، ومنها المرجعيات الدينية برجالها ومؤسساتها المختلفة.

ونظرا لذلك السلوك برزت هذه الأدوار وأصبحت واقعا في إطار السياسة العامة والعلاقات الدولية، وظهرت ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية التي لا تقتصر ممارستها فقط على الحكومات بل تباشرها بالدرجة الأساس الجهات غير الرسمية كالمرجعيات الدينية والمنظمات غير الحكومية وحتى الأفراد.

وقد فرض تعقد العمل الدبلوماسي وتزاحم المسائل السياسية وتزايد الأزمات الدولية والإقليمية والمحلية وتنوع مجالاتها، ظهور مسارات دبلوماسية جديدة للإسهام في مواجهة هذه المتغيرات والمعطيات والتحولات، منها علنية ومنها خفية، تسمى بالدبلوماسية الموازية، التي سمحت بعمل غير الحكوميين في حل النزاعات وإدارة الأزمات وتعضيد عدم كفاءة الدبلوماسية والسياسة الخارجية الرسمية لتتكامل معها ومع مبادراتها دون أن تحل بديلا عنها.

وقد تطورت مثل هذه الدبلوماسية في الوقت الحاضر وأصبح للفاعليّن من غير الحكومات ادوار ومبادرات وتدخلات هادفة إلى تسهيل حل النزاعات وإدارة الأزمات، واستعمل تعبير الدبلوماسية متعددة المسارات التي تتضمن مشاركة فاعلين متعددي الاختصاصات ومنهم المؤسسات الدينية في تسوية النزاعات ومجالات التدخل الإنساني.

وتقدم المؤسسة الدينية نموذجا ناجحا في تحقيق ذلك، الفاتيكان ومرجعية النجف مثالا صادقا لذلك، فمثلا اعتبرت زيارة البابا فرانسيس إلى المرجع الديني السيد علي السيستاني، بمثابة إنجاز تاريخي لمرجعيّة النجف وقدراتها التواصليّة، إضافة إلى اعتبارها زيارة نوعية مثلها البابا في مجال حوار الأديان والحضارات، والعلاقة بين المذاهب، كما عملت هذه الزيارة على تأطير التواصل بين الدولة العراقية والعالم، باعتبار العراق دولة تضم أديان وقوميات ومذاهب ومكونات متعددة، وفي الإطار العام، يعمل ذلك بشكل دبلوماسي على الصعيد العالمي على تدشين العلاقات والتواصل الحضاري بين الحكومات الدينيّة وغير الدينيّة، والمسلمة وغير المسلمة، وبين التيارات الفكرية الحديثة التي تتوسّع اليوم والتيارات الفكرية التقليدية المحافظة، وبين القواعد الشعبيّة المؤمنة وغير المؤمنة، وبين التيارات والأحزاب السياسيّة الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، وتجسير الهوة بين الاصطفافات المتنوّعة التي يشهدها العالم اليوم، بأقل كلفة وجهد.

وما يجري في النطاق الخارجي والدبلوماسي، ينسحب على النطاق الوطني الداخلي فالمعروف أن السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية، وأساسا كيف يكون هنالك تأثير وأدوار وقدرات في أداء دبلوماسية دينية فاعلية ما لم تكن أساسا لها ذات الفاعلية وأكثر في السياسة الداخلية العامة، وخاصة في مسار حل وإدارة الأزمات.

فقد أدت المرجعيات الدينية إسهامات فكرية وسياسية مهمة على صعيد ترصين العملية السياسية في العراق بدءا من صياغة الدستور مرورا بالانتخابات والاحتجاجات والإصلاحات المطروحة على الحكومات المتعاقبة.

ولأن المرجعيات الدينية في العراق وتحديدا في النجف وكربلاء غير مهتمة سياسيا وليس لديها مشروع سياسي لتحقيق مصالح خاصة في العملية السياسية أو التدخل فيها، فهي تحظى بالثقة الشعبية والنخبوية اللازمة لطرح وصياغة مشروع وطني يطمئن إليه الجميع، إذ تمتلك القدرة على تقديم وتحويل المناصحات والبيانات المقومة لقواعد القوى السياسية وعملها إلى حركات ضاغطة منظمة من اجل التصحيح والإصلاح، فالمرجعية الدينية رغم احتياطها في التعبير عن المواقف السياسية بشكل مباشر إلا أنها تُعد القوة الرافعة الأساسية لتحقيق المشروع الوطني العراقي.

إذ أنها تمتلك القدرة على شد الجماهير إليها بغض النظر عن توجهاتها واختلافاتها الفكرية أو المناطقية، لصنع أوضاع سياسية ايجابية أو حلول للازمات التي تواجه صناع القرار السياسي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق