انا اعيش في العراق، وربما انت صديقي القارئ تعيش في هذا البلد الذي يوصف شعبه بالشعب الشرقي المحافظ، لكننا نعيش في دولتين متضادتين تماماً، دولة جذورها قديمة وتتهم بالرجعية، ودولة حديثة تصارع بكل طاقتها لاثبات ذاتها لكنها تفشل دائماً.

ما هي معالم الدولة المحافطة؟ إنها دولة المجتمع العشائري التقليدي المحافظ، من يسمع عن هذا المجتمع لأول مرة يعتقد أنه مجتمع من الفوضويين والزعماء البعيدين عن العدالة، يهتمون بتعزيز سلطتهم على حساب أبناء العشيرة الضعفاء.

لكن هذا جزء من الصورة، هناك جزء مخفي منها، هناك تنظيم صارم في المجتمعات العشائرية اذا ما تمت مقارنته بالمجتمع الحكومي في دولة المؤسسات الحديثة.

في دولة العشيرة يوجد تسلسل هرمي للسلطة، وتوجد معايرية في التنظيم، وهناك قانون صارم والفارق بينه وبين القانون المدني، أن قانون العشائر غير مكتوب في اغلبه.

لا ندعي أن دولة العشيرة عادلة، ولا هي الدولة المثالية التي نسعى إليها، لكننا بصدد التبيه عن جوهر مشكلة من المشكلات التي تعصف بالبلاد ولا تنتهي حتى اللحظة، مشكلتنا أننا نعيش في مجتمع عشائري، يمكن أن نمثله بأنه البيت الذي نسكن فيه، ونريد استبدال هذا البيت ببيت آخر حديث يتلاءم مع متطلبات العصر.

البيت الجديد اسمه دولة المؤسسات الحديثة، ولاحقًا النظام الديمقراطي الذي بدأنا نمارسه منذ عام 2003 وحتى الآن.

الانتقالة من البيت القديم، (دولة العشيرة) إلى البيت الجديد (دولة المؤسسات الحديثة) لم تحدث حتى هذه اللحظة، بل نحن شعب مشتت بين هذه وتلك، ولكل له مبرراته وكل واحد من الطرفين له من الاحقية ما يبرر صمود موقفه بوجه الطرف الآخر.

على سبيل المثال لا الحصر، لو كنت أنت أيها القارئ في موقع شيخ العشيرة، أو لنقل مكان أي عضو من أعضاء العشيرة، تملك حماية تامة من العشيرة، توفر لك أغلب متطلبات الحماية الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، مع الجاه الذي توفره لك العشيرة بما يعطيك سلطة رمزية في المجتمع.

لو كنت أنت في هذا الموقع، وطلب منك ترك كل هذه الامتيازات والانتقال الى البيت الجديد الذي لم تكتمل اساساته بعد، ذلك البيت المسمى (دولة المؤسسات الحديثة)، دولة مليئة بالقوانين، لكن الفوضى تحكمها، دولة قائمة على مجموعة من الانتهازيين والوصوليين تنتهك الحقوق وتنصر القوي على الضعيف، وتوزع الامتيازات بشكل فوضوي، لا استقرار فيها، ولا ضمانات.

هل ستنتقل إلى الدولة الحديثة الموعودة، أم ستتمسك بالدولة المستقرة (دولة العشيرة) فأنت هنا في دولة العشيرة حتى لو تعرضت للظلم في بعض الأحيان لكنه بالنسبة لك افضل بكثير من ظلم الدولة الحديثة في صورتها الموجودة حاليًا في العراق، لأنها دولة الانتهازيين والزعامات المتوارثة وحكم العملاء للخارج.

قد تعتقل وتتعرض للسجن أو الإعدام في نظام الدولة الديمقراطية الحديثة لأسباب بسيطة، والسبب أنك لا تملك الواسطة القوية لانقاذك، بينما يسرق وزير أو مسؤول كبير في الدولة عشرات المليارات ولا يتعرض لجزء بسيط من العقوبة التي تعرضت لها، والسبب امتلاكه قاعدة كبيرة من العلاقات والنفوذ داخل العراق وخارجه.

قد تعترض أيها القارئ وتقول كيف يمكن لرجل العشيرة البقاء في دولته العتيقة، بينما نشاهد النزاعات العشائرية التي تسفك الدماء في صراعات مستمرة، فأجيبك أن هذه الحالات طبيعية عن رجل العشيرة التي تعد جزءًا من حياته العشائرية، وكأن النزاعات هذه بالنسبة له مثل النزاعات بين الدول، هو يراها نزاعات لاثبات الحق والسطوة.

ولست هنا بصدد الدفاع بقدر ما اريد أن أضع نفسي مكان رجال العشائر الذين نكون أكثر قسوة عندما نتناول قضاياهم وحياتهم التي يمارسون فيها علاقاتهم الشخصية.

فالحل الأساسي لإقناع رجال العشائر وكافة أطياف المجتمع العراقي بدولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة هو توفير البيئة المناسبة والبدائل التي تدفعهم لترك جزء من نظامهم السابق الذي نعتقده قديماً، واستبداله بالنظام الجديد.

هل قلت النظام الجديد؟ نعم النظام الجديد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وليست الفوضى وغياب تطبيق القانون، وانتشار المحسوبية، والرشوة والتزوير المالي والسياسي والانتخابي، والصراعات والظلم وخرق القوانين.

من يعالج هذه المشكلات هو صانع القرار السياسي، وهو المسؤول الأول والأخير عن تحويل المجتمع من دولة العشيرة والجماعات الصغيرة المشتتة إلى دولة المؤسسات الحديثة القائمة على تطبيق العدالة وسيادة القانون.

اضف تعليق