أن تتنمي لحزب سياسي فهذا ليس عيباً، وأن تدافع عن سياسات الحزب فهذا طبيعي ومن حقك لكونك جزء الحزب، ولكن أن تدافع عن كل شيء يفعله الحزب فهذا يسبب لك وللبلد والعملية السياسية برمتها مشكلات لا تعد ولا تحصى، عندما تدافع عن كل شيء وتعتبره صحيحاً لانه يصدر من حزبه فهي أولى مراحل الخيانة للحزب نفسه وللبلد والمواطنين ولنفسك أيضاً.

ما أقوله ليس تنظيراً بدون جذور واقعية، إنها رسالة في مفهوم الولاء السياسي، لأننا نعيش أخطاء كبيرة في فهم وممارسة الولاء للحزب، هناك غياب للتفريق بين الولاء لقرارات الحزب، وبين الولاء لمبادئ الحزب، ولتقريب الصورة أكثر، فقد يقوم الحزب بممارسات تخالف المبادئ التي قام عليها الحزب واستقطب بها الأعضاء، فهل يجب الدفاع عن الممارسات المخالف للمبادئ؟

إذا دافعنا عن الممارسات الخاطئة للحزب سوف نقع في مشكلة الخيانة للمبادئ ونبتعد عن الأسس التي تعاهدنا على السير في طرقاتها، أليست المبادئ أعلى من الممارسات، بل هي الضابطة التي نقيس فيها صوابية الممارسات أو انحرافها عن المسارات التي يجب أن تتخذها في بناء الحزب نفسه ومن ثم الدولة.

قد يقول القارئ وماذا لو كانت مبادئ الحزب بحاجة الى مراجعة لكونها لا تتناسب مع المرحلة الحالية؟ لا بأس في المراجعة شريطة أن تكون استجابة للحاجات الاجتماعية والسياسية وليست ارتجالاً أو انتقاماً من حزب سياسي آخر، فنحن نشاهد الكثير من الحركات السياسية العراقية تغير مسارها ليس لأن مبادئها بحاجة الى مراجعة، بل انتقاماً ونكاية بالاحزاب الأخرى المنافسة لها.

بين المبادئ والديكتاتورية

هل الأحزاب العراقية قائمة على المبادئ والبرامج السياسية؟

لنأخذ تجربة الأحزاب والتيارات الكبيرة، متى كانت آخر انتخابات للزعامات السياسية في الأحزاب الكبيرة، بل وحتى المتوسطة والصغيرة، تكاد تكون الانتخابات غير موجودة في قاموس الأحزاب، وإن وجدت في بعضها فهي لا ترتقي إلى مستوى تحديد شخصية زعيم الحزب، انما وظيفتها تجديد الولاء.

والانتخابات غير موجودة في الأحزاب العراقية لأن هذا يعود لعدم وجود مبادئ سياسية للحزب، وأكثر من ذلك أن الحزب عبارة عن منطقة مادية ومعنوية يصنعها الزعيم لممارسة ديكتاتوريته التي حرمتها منه الدولة الديمقراطية في العراق بعد عام 2003.

الزعيم هنا يؤمن في قراره الداخلي بالديكتاتوية لكنه لا يستطيع ممارستها على مستوى الشعب عموماً، يسلك طريقاً آخر، يؤسس حزباً، يستقطب مجموعة من الأتباع، يقربهم ويعطيهم ما يريدون، يقوى بهم، وهم يستقوون به، يكبر الحزب، فيتحول إلى كيان كبير له تأثير على قطاعات واسعة في المجتمع، بعد أن يزرع زعيم الحزب أتباعه المفاصل المهمة للدولة، وهؤلاء الأتباع يمثلون الطريقة الجديدة لممارسة الزعيم الديكتاتوريته.

فزعيم الحزب لم يؤسس حزبه انطلاقاً من إيمانه بالنظام الديمقراطي الجديد في العراق، إنما جاء كرد فعل على الأوضاع السائد في سنوات ما قبل 2003 أو بعدها، ورد الفعل هذا لم يؤسس على مبادئ تصحيحية لمسارات خاطئة، بل جاء لمحاولة الإنقلاب على الوضع السائد بأي طريقة كانت.

وكل حزب بما لديهم من ممارسات يتظاهرون ويهددون ويستعرضون، تتحول الساحة الى صراع شديد الخطورة مع غياب المرجعية السياسية الثابتة التي يتم الاحتكام إليها لتحديد من هو صاحب الحق.

في ظل هذا التزاحم بالزعامات وشدة الاستقطاب للأتباع الذين يشبهون العبيد في سلوكهم وطاعتهم المطلقة للزعماء، هل نتأمل من شخص ينتمي لحزب سياسي أن يقدم نقداً لحزبه؟

الجواب كلا، ونعم.

كلاً إذا كان مقتنعاً بالمركز الذي منحه إياه الزعيم الحزبي الديكتاتوري، فهو يسبح بحمد الزعيم صباحاً ومساءً، أما اذا شعر المنتمي للحزب بأنه لم يحصل على المكانة التي يستحقها، ووجد أنه يملك من النفوذ ما يؤهله لتكوين مجموعة أتباع، فهو سيقدم النقد، لكن هذا النقد ليس للتصحيح بل للتبارز مع زعيم الحزب للحصول على مكاسب شخصية جديدة، وإذا لم يحصل عليها يؤسس حزباً جديداً يتغلتغل رويداً رويداً في مفاصل الدولة.

لم تشهد الساحة العراقية نقداً من داخل الأحزاب لتصحيح المسارات، وفق رؤية مستقبلية قائمة على المبادئ، وكل الشخصيات التي قدمت نقداً لاحزابها، وجدناها تؤسس حزباً جديداً بعد مدة وجيزة، لأن قاعدة النقد الداخلي الذاتي في الأحزاب العراقية غير موجودة.

ما موجود لدينا هو الولاء للزعيم ومن يقدم ابسط أنواع النقد يعد خارجاً عن الطاعة ويهدد بالطرد، فالاحزاب ديكتاتوريات مصغرة لدولة ما تزال الديمقراطية فيها مثل الطفل الذي لم يُفْطَم بعد عن الدول الكبرى والإقليمية.

اضف تعليق