بعد تسرحي من الجيش ربيع العام 1991 لم اجد فرصة عمل مناسبة، تجعلني اوفق بين حياتي العملية ورغبتي في الكتابة التي صارت هاجسا لي، على الرغم من ان ماكنت اكتبه من قصص، حينذاك، لم يكن اغلبه صالحا للنشر، ولكن طوق الحصار صار يضيق، ولم اجد غير فرصة عمل في شركة كانت تقوم بإعمار مبنى القوة الجوية في بغداد.

وكان هذا اثناء حملة الاعمار التي اعقبت الحرب، واستمر عملي لفترة قصيرة انتقلت بعدها مع فرع آخر للشركة نفسها في معسكر التاجي حيث تقوم بإعمار منشأة مدمرة هناك، بعد ان حصلت لي مشكلة مع مسؤول العمل، فطاردني هذا المسؤول من خلال شخص يعرفه هناك لكي يقصيني، وحصل له هذا!

بعدها عملت في شركة تقوم بإعمار منشأة في الطارمية شمالي بغداد، وكان عملي فيها بصفة (مساعد لحّام) واستمر عملي لفترة، ثم انتقلت الى العمل في تهديم بناية في الجامعة التكنلوجية بهدف بناء بناية حديثة بدلا عنها.

ولكن المحطة الابرز والاكثر عناء كانت عندما اشتركت مع صديق لي في الجيش وآخر يعرفه في شراء ورشة صغيرة لصناعة اواني الفافون في قطاع 79 في مدينة الثورة وهناك تعلمت هذه المهنة من خلال شاب يسكن هناك اسمه سمير، يمارس العمل نفسه، لأجد نفسي عاملا، بعد ان انفضّت الشراكة وقمنا ببيع الورشة.

لقد مرت بي ظروف قاسية جدا اثناء عملي ، لأني قليل الخبرة وتعرضت الى اصابات عديدة، اذ حصل لي شق في اصبع الابهام الايسر وتطلب هذا خياطة الجرج ومن دون تخدير! قام بها ممرض ماهر.

ومن ثم تعرضت راحة يدي اليسرى الى اصابة تسببت بالتهاب جعلها تتورم بشكل خطير ما استدعى دخولي مدينة الطب واجراء عملية تحت التخدير العام ويقيت اعالج لمدة زادت على الشهر، اضافة الى اصابتي تحت الضلع الايمن بفعل عدم خبرتي في التعامل مع ادوات العمل وحصول تورم مخيف استدعى مراجعات للاطباء.

وقد كنت اعمل وقتذاك على اساس القطعة ، اي بقدر امكانيتي، لكي اوفر قدر من الراحة لجسدي الذي يتعرض الى ارهاق شديد اضافة الى صوت (التورنة) الذي يصم الآذان، اذ لابد من القراءة والكتابة ليلا، وقد اخذت انشر قصصي في الصحف وصار اسمي معروفا تقريبا في الوسط، لكن الذين يعرفون عملي هذا هم قلة من الاصدقاء!

لقد تعرفت الى اصدقاء كثر من الذين يعملون في هذا المجال، والى خفايا كثيرة في عالم تلك المهنة التي تنقلت معها في اماكن عديدة، ابرزها في منطقة الميدان ببغداد التي تكثر فيها ورش الفافون، ومن بين الادباء الذين كانوا يمارسون هذه المهنة، او يملكون ورشا صغيرة، الشاعر سلام كاظم الواسطي والشاعر حاتم عبدالواحد، قبل ان تتفرق بنا السبل قبل العام 2003 وبعده!

لازلت اتذكر قسوة تلك الايام والكفاح المرير من اجل لقمة عيش كريم، وهكذا كان اغلب العراقيين في تلك المرحلة التي يجب ان لايتمناها اي انسان شريف لأي شعب في العالم، لان حصار الانسان في لقمة عيشه من اجل اهداف سياسية هو اقذر ما يمارس من انتهاك للكرامة والقيم الانسانية، ومهما كانت الاسباب يبقى الحصار اجراء غير مبرر وغير اخلاقي على الاطلاق .

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق