كتب المستشرق الالماني فريش شتيبات في العام 1996م (نلاحظ منذ سنوات قليلة ميلا شديدا ومفاجئا في الغرب الى اعتبار الاسلام خطرا يهدد العالم الحر)، وفي نظر الغرب أيضا فانه يشكل مصدر ازعاج للسلام الباقي على الأرض وفق نقله، ويؤشر (شتيبات) هذه الظاهرة التي بدأت تنشر لها سلطة عاطفية وثقافية في الغرب مؤداها التناقض المركب أيديولوجيا وتاريخيا وسياسيا بين الاسلام والغرب بل والعالم المعاصر فضلا عن العالم الحديث، ويقارن شتيبات بين نشأتها وبين تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار المنظومة الشرقية–الاشتراكية، وهو ما دأب على تصنيفه وتوثيق تزامنهما كل الكتاب والباحثين في تلك الفترة من انبعاث العولمة.

وهو تزامن أو اقتران لا يعود الى طبيعة العلاقة التاريخية بين الاسلام والمنظومة الشرقية أو العلاقة المعقدة بين المنظومة الفكرية والايديولوجية للعقيدة السوفياتية والعقيدة الاسلامية، وانما هو استبدال قامت به الايديولوجيا اليمينية – البروتستانتية شكلا والامبريالية السياسية مضمونا للولايات المتحدة الأميركية والتي استحوذت أخيرا على الغرب ثقافيا وسياسيا.

وقد تأسست تلك الايديولوجيا في جزء أساسي منها وفق مقولة أو مبدأ (انهم يكرهوننا)، تلك المقولة التي تؤرق فئات كبرى من الذات الأميركية وتؤمن هذه الفئات من سلالات المهاجرين الأوائل من البيض باحتكار هوية وتاريخ أميركا باعتبارها أرض الميعاد وفق الفهم البروتستانتي الأولي لهؤلاء المهاجرين.

ان هذه الكراهية التي كانت ينتظم شكلها ومضمونها في الشيوعية وفق المخيال الأميركي تم استبدالها بالإسلام بعد انكسار الشيوعية السياسية، وقد بدأت الذهنية الأميركية بعملية الاستبدال هذه بإصدار مقولة أو مقالة صموئيل هنتنغتون (صدام الحضارات) التي نشرتها مجلة الشؤون الخارجية الأميركية في العام 1993م ويؤكد تحولها الى كتاب مثير للجدل بعد ذلك على قناعة الذهنية الأميركية بعملية استبدال العدو ورسم الحدود الجديدة لهذا العدو القديم–الجديد.

وعلى المستوى الأكاديمي يعتبر شتيبات هذه المقالة قد افتتحت نقاشات اعادة تقييم وضع الاسلام في العلاقات الدولية، وأما على مستوى الرأي العام فإن تلك النقاشات اندمجت بقوة في انتاجه وتوجيهه وفق المؤسسات الفكرية والسياسية المعنية بهذا الوضع السياسي والثقافي للإسلام، وقد اعتبرته بعض المؤسسات في الغرب بانه وضع معقد للغاية بينما رات فيه مؤسسات إمبريالية بأنه عقبة كبرى أمام السلام العالمي في عصرنا مما دعا شتيبات الى دعوة الباحثين المتخصصين الى بحث ودراسة هذا التوصيف الغربي المعاصر للإسلام وبحث مشكلة الحوار بين الأديان لا سيما بين المسيحية والإسلام.

وقد أثارت مقالة هنتنغتون ذلك الاهتمام ونبهت عليه بمضمون وشكل سلبي حين أوعزت أو استبدلت مصادر الصراع الرئيسية بعد الحرب الباردة بالحضارة أو الثقافة، وصنفت المقالة العالم الى ست حضارات وشددت على جوهرية التناقض بين الحضارات التي يتألف منها العالم الجديد لاسيما الحضارات الثلاث الكبرى وهي الحضارة الغربية ذات الجذور اليهودية–المسيحية، والصينية ذات الجذور الكونفوشوسية، والحضارة الاسلامية التي تند عن التصنيف القومي والعنصري والمشتبكة بالصراعات التاريخية مع الغرب، ويعود هنتنغتون الى ماضوية مؤثرة في تصنيف الحضارات وفق الدين باعتباره المعيار الأول في هوية الحضارات ومن ثم السبب الأول في الصراعات التي ستحدث في العالم الجديد عالم ما بعد الحرب الباردة وهو بذلك وضع هذا العالم على شفا الحروب المستمرة والدائمة نتيجة الديمومة الوجودية والاستمرارية التاريخية للأديان.

لقد استنتجت الولايات المتحدة عن بديهيتها المطلقة (انهم يكرهوننا) التي صاغتها بشكل آيديولوجي مقالة هنتنغتون وبتأثير ثقافي منها ضرورة تنفيذ محاولة تغيير مناطق الاسلام في الشرق الأوسط باتجاه مسارات القيم الأميركية، او كما يطلق عليها القيم الليبرالية في الديمقراطية وحقوق الانسان حتى تكبح عداء الاسلام وكراهيته وفق تصوراتها أو ذهانها من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير. فكانت هذه الحرب المستمرة الى اليوم في المنطقة منذ الغزو الأميركي للعراق في 9/4/2003 م.

فالحروب التي صمم لها هنتنغتون ستظل مستمرة ولن تتوقف بتأثير إقحام الدين في الصراعات الدولية الجديدة والكف عن إحالة الحروب وتلك الصراعات الى السياقات التاريخية والمادية وتحميل الدين وزرها باعتباره المصدر الأول لها في عالمنا الجديد وفق هنتنغتون، وكان شتيبات قد أشار في محاضرة له في بيروت في العام 1994 م الى الدور المبالغ فيه الذي اعتمده هنتنغتون للدين وللحضارة في استثارة الحروب وتهديد السلام العالمي.

فالدين يوحّد الجماعة فعلا لكن السياقات التاريخية والوقائع المعاشة تصنع رؤى وأفكار متعددة ومتنوعة لاسيما -وفق شتيبات- مع إتاحة الاسلام مجالا واسعا وافقا رحبا من التفسيرات الاسلامية، وقد ساعد على ذلك عدم وجود سلطة عليا في الاسلام تحتكر التفسير مثل منصب البابا أو منصب الدالاي لاما، ولذلك يؤشر شتيبات وفق منطقه هذا تعدد واختلاف الرؤى في الاسلام تجاه الغرب أو الحضارة الغربية بين الرفض والقبول والوسطية بين هذين الموقفين وليس ضرورة أو حتمية الحرب مما ينبأ عن الخلل النظري في مقالة هنتنغتون التي توحّد الاسلام كله في موقف سلبي تجاه الغرب والعالم.

ويستشهد شتيبات في دراسته تلك وفي ذلك العام بالعلاقات الحميمية بين المسيحين والمسلمين العرب ويعتبرها مثالا لا يفسح مجالا أمام نظرية أو نموذج هنتنغتون عن الحضارات القائمة، لكن هذه العلاقات الحميمية–الاجتماعية العربية تشوهت بعد الدخول العسكري الأميركي الى المنطقة في العام 2003 م وتعمد الإستراتيجية الأميركية الى توجيه بوصلة الحروب في المنطقة اتكاء على نظرية هنتنغتون باتجاه تضاد الحضارة والثقافة ذات النزعة الدينية في المنطقة مع القيم الأميركية والليبرالية التي كانت تبشر بها مؤسسات ووكالات محلية.

وقد نتج عن الترويج القسري لهذه القيم واحتمالات انتزاع السلطة عن مؤسسات ووكالات أخرى محلية انبعاث الكراهية المضمرة في ثقافات محلية سلطوية وتكفيرية لكنها لم تكن موجهة ضد المسيحين العرب حصرا وانما شملت بكراهيتها وحروبها العدد الأكبر من المسلمين في العالم الاسلامي لاسيما العربي منه، وهو ما يكشف عن عدم التجانس الحضاري، وهو ما أكده شتيبات مسبقا في (العيب الذي يؤخذ على حجة هنتنغتون عن الحضارات هو ان هذه الحضارات ليست متجانسة ولا محددة تحديدا كافيا للتمييز بينها)، فالتفسيرات الكلامية والأيديولوجية غير متجانسة وغير موحدة دائما في ظل الحضارات الكبرى ولعل النقص المعرفي أو القسر المعرفي هو الذي يقف خلف ادعاءات التجانس والتصلب في الحضارات القديمة والقائمة.

ونكتشف التوجيه البراغماتي للمعرفة في السياسة الأميركية بتحولها الى استخدام هذا اللاتجانس الحضاري الاسلامي وتبريره واستغلاله حين ترسم خطوطا حادة للتداول الرسمي لمصطلحات مثل الشيعة العرب والسنة العرب او مصطلح أكثر بؤسا هو (المكونات العراقية) فليس هناك من وجهة نظر إستراتيجية أميركية كينونة عراقية واحدة أو متجانسة وهو ما يعتبر خروجا متعمدا على نظرية هنتنغتون في توصيف المنطقة باسرها حضارة إسلامية، لكن الهدف البراغماتي هو جوهر ومضمون السياسات الأميركية الخارجية ورغم هذا لم تخرج السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية عن إقحام الدين في تطورات ووقائع الأحداث في المنطقة بل رسمت وبالتعاون مع مؤسسات ووكالات سياسية وثقافية محلية حدودا فاصلة وبصبغة دينية بين الشيعة والسنة الى الحد الذي دعا فيه نتنياهو وهو يستثمر هذه السياسة الى تكوين حلف سني–اسرائيلي بوجه الشيعة في المنطقة.

وتعمد حتما هذه التكتلات السياسية المصبوغة باللون الديني وباستعارة من شتيبات الى تفجير الصراعات والحروب الدينية، ومن وجهة نظرنا فإن هذه الحدود المحلية المزرية التي ظللت آفاق واقعنا ومستقبلنا جاءت وفق نموذج الحدود التي خطها هنتنغتون بين الحضارات والثقافات في هذا العالم المتصور أميركيا وهي الحدود الخاطئة والتي ستكون وفق شتيبات خطوط المعارك في المستقبل.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

....................................
ملاحظة: راجع (الاسلام شريكا، فريس شتيبات، ترجمة د. عبد الغفار مكاوي، سلسلة عالم المعرفة الكويتية)

انقر لاضافة تعليق