ألهبوا الشوارع والرأي العام على مدار الأيام القليلة الماضية، المحاضرون المجانيون كانوا ينتظرون انصافهم في الموازنة العامة التي صوت عليها البرلمان العراقي مساء يوم الأربعاء الموافق الحادي والثلاثين من آذار.

سنون طوال والمدرسين الذين بادروا بتقديم خدماتهم بالمجان، يأملون بأن تلتفت الحكومة إليهم وتحقيق حلمهم الذي اخذ يبتعد عنهم يوما بعد آخر، اذ اعتاد آلاف الخرجين على الذهاب يوميا الى المدارس والتزامهم بتقديم دروس كأقرانهم من المعينين على الملاك الدائم او اقل بقليل.

أينما تولي وجهك تجد الأوطان تتعايش وتضع لمحتواها الحقيقي وهو الانسان الاعتبار الأهم والاكبر من بين جميع الاعتبارات، فتمنحه السلطة العليا، الحق بالعمل والعيش برفاهية، الا هنا في ارض العراق التي يسكنها البسطاء ويحكمها الادعياء، وظل المواطن المغلوب على امره ينتظر فسحة امل يبعثها أصحاب القرار من اجل تغيير واقعهم المر الذي وصل الى مستوى يبعث على القلق.

لو لم تكن الظروف قاهرة، لما وجدنا هذه المبادرة، (التعليم المجاني)، فمن اين أتت هذه السنة؟، ومن شرعها واعطها الحق لان تتواجد وتتكاثر في العراق؟، الذي أصبح فيه المنطق غير منطقي، والسير بالمعكوس هو الاتجاه السليم، ويبقى من تحمل سخونة هذه الكاوية هم الطبقة التي يعتمد عليها ببناء الانسان والاوطان، فالمدرسين صمدوا في السير على سكة المستحيل، رغم عجز الحكومة عن مساندتهم.

المصيبة الكبرى التي حلت بالبلد هي ان من منحتهم الفرصة ان يحتلوا مناصب مهمة في التشكيلة الحكومية، يعانون من قلة الضمير وشحة الإنسانية، فهل يعقل ان ما يحصل في البلاد وكيف يعاني الناس وإلى أين وصل حالهم، لا يثير الشفقة والرحمة في نفوسهم!!

انا متأكد انهم يدركون ذلك جيدا ولديهم المعرفة التامة بجميع ما يحصل، وان لديهم المعرفة أيضا بالحلول الممكنة التي تفكك المشاكل، وتجعل الطريق سالكا نحو الصواب، لكنهم قابعون في مستنقع اللامبالاة، لأنهم في حقيقة الأمر شخصيات جاءت بفعل ظرف محدد وضعهم حيث لا يستحقون.

الشعب العراقي مر بتجربتين مع الحكام الجُدد، التجربة الأولى تمثلت بالعزوف عن الانتخابات البرلمانية، وعلى الرغم من ذلك لم يجني منها أي نفع، وساعدت المقاطعة على صعود نفس الوجوه القديمة، كونها هي من فصلت قانون الانتخابات على مقاسها، اما التجربة الثانية وهي الرفض الشعبي الاحتجاجي عبر النزول الى الشارع.

تخوض الشعوب العديد من الحروب، ولكن أصعب هذه الحروب هي التي يكون طرفها المقابل هو النظام القائم، ففي الحالة العراقية وتحديدا ثورة المحاضرين، تزداد الضغوطات على السلطات التشريعية والتنفيذية، فهي في الوقت الذي تدعي فيه التعامل الديمقراطي مع المواطن وعدم التجاوز عليه، ومن ناحية أخرى تحرمه من ابسط حقوقه الحالم بها.

في كل ضائقة يمر بها الشعب، تردد الطبقات العامة والمثقفة عبارة " كل الجاي يصير من ادينا"، في الواقع انها تحمل قدرا من الصحة والمنطق، فهؤلاء السياسيين الذي يتصدون للعمل الحكومي، هم صنيعة المواطن الناخب، ولأنه لم يحسن الاختيار واجهتنا هذه المشاكل التي أصبحت تتفاقم وتتسع رقعتها.

الى درجة وصل بالمحاضرين الحال الى غلق المؤسسات التربوية الحكومية، عندما وصلوا مع الحكومة الى شبه الطريق المسدود، فلا تزال الثقة بين الحاكم والمحكوم مفقودة، ولا تزال الأمور متجهة نحو التصعيد الشعبي، وربما تأخذ كرة الاحتجاج بالتدحرج لحين استقرارها عند أبواب الحكومة واجبارها على الاستقالة او الإقالة.

الصفة الأبرز للنظام السياسي بالعراق هي الديمقراطية، أي من حق الشعب المشاركة بانتخاب ممثليه، كما يحق له عدم المشاركة ولا اجبار في تلك النقطة، ولكنه عقب تلك المشاركة، تواجهه مهمة أخرى وهي مصارعة الاستبداد والتصارع على السلطة والمحاصصة التي أصبحت هي المعيار الذي على أساسه تحصل على درجة حكومية في احدى المؤسسات.

ما رأيناه من تجمهر في الشوارع من قبل شريحة المحاضرين الذين تجاوزت اعدادهم المائتين ألف تربوي بمختلف الاختصاصات، يدلل على انهم عازمون على نيل حقوقهم، وعدم تراجعهم بتسويف من قبل رئيس مجلس الوزراء الذي ربما في الوقت الحالي مصاب بالدوار.

الحكومة تتحجج بعدم توفر السيولة المالية على خلفية تراجع أسعار النفط، وما أصاب العالم بصورة شاملة من تراجع اقتصادي إثر الجائحة، وهي متغافلة عن ابسط الحلول وأكثرها نجاعة في المرحلة الحالية، اذ بإمكانها ان تُشرّع قانون القطاع الخاص او تفعيله بصورة جادة، وهو بالأساس مستوعب لآلاف الشباب من الخريجين وغيرهم من الشرائح، وبالنتيجة قطعت اشواطا كبيرة لخدمة المواطن الناقم.

لا يوجد في جميع دول العالم اعتماد كبير على القطاع الحكومي مثلما في العراق، والخلل هو نتيجة إهمال الحكومات السابقة، تنشيط القطاع الخاص والصناعة المحلية، والضغط بتجاه الموازنة العامة وازدياد الاعتماد عليها، دون البحث عن روافد أخرى لإنعاشها، والنتيجة هو ترهل بأعداد الموظفين، وتراجع بالعائدات المالية وضيق السوق المحلية وعدم استيعابها للخريجين.

يجب على الثائرين من اجل حقوقهم الاستمرار في الضغط وعدم تصديق الوعود مهما كانت الشخصية التي تطلقها، وعليهم أيضا استثمار التعاطف الشعبي معهم على مختلف مستوياته، فالفرصة لا تكرر مرتين، وامامهم حاليا فرصة ذهبية لا تعوض، فبالصبر وحده يصلون الى غايتهم، وبالعزيمة يحققون نتائج سريعة وغير متوقعة.

إن ما تحتاجه هذه المرحلة فقط هو الاستمرار بالاحتجاج بمختلفة وسائله السلمية، ولا بد من التأكيد على عدم التعويل كثيرا أو التفاؤل من نتائج هذه الوسيلة الاحتجاجية كما ذكرنا في المقدمة، ووصفناها من أصعب المعارك، فمن الضروري عدم التوقف عند نقطة او مرحلة مهمة من مراحل المعركة، وخسارتها بالكامل والعودة من نقطة الصفر.

انقر لاضافة تعليق