‮"‬ليس من العدالة أن‮ ‬يحصل الشباب الأصحّاء في‮ ‬الدول الغنيّة على اللقاحات قبل أولئك الأكثر عرضة للخطر في‮ ‬الدول الفقيرة‮"‬،‮ ‬هذا ما قاله تيدروس أدهانوم‮ ‬غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية‮. ‬ويأتي‮ ‬هذا التحذير بعد أن توصّلت عدد من الشركات إلى إيجاد لقاحات مضادة لوباء كورونا‮ "‬كوفيد‮ - ‬19‮ ‬بل أن بعض البلدان المتقدمة بدأت بتوزيعها،‮ ‬لكن العديد من البلدان الفقيرة ما تزال‮ ‬غير مدرجة على قوائم التوزيع أو أن كمية اللقاحات المخصصّة لها محدودة،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن شعوبها ستستمرّ‮ ‬بحالة قلق من الجائحة،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن تدهور الحالة المعاشية بسبب الركود الاقتصادي‮ ‬والإجراءات الاستثنائية بالحجر‮.

‬ومنذ أن أُعلن عن اكتشاف الوباء في‮ ‬مدينة ووهان الصينية،‮ ‬ظل العالم‮ ‬يتطلّع إلى السيطرة عليه واكتشاف لقاح لمعالجته،‮ ‬واليوم وبعد مرور عام تستقبل هذه المدينة التي‮ ‬كانت مصدراً‮ ‬للوباء وفداً‮ ‬رفيعاً‮ ‬من خبراء منظمة الصحة العالمية،‮ ‬لمعرفة حركته وأسبابه وتحوّلاته وهي‮ ‬خالية منه تماماً،‮ ‬فاتحةً‮ ‬شوارعها وأسواقها ومتاجرها ومطاعمها لهم،‮ ‬حيث لا كمامّات ولا حجر صحي،‮ ‬بل بمعارض فنية تؤرخ لفريق الأطباء الذي‮ ‬شارك في‮ ‬الحملة للقضاء على الوباء،‮ ‬فقد عمل التنين الصيني‮ ‬بتفانٍ‮ ‬وعلمٍ‮ ‬وإرادةٍ‮ ‬للقضاء عليه،‮ ‬في‮ ‬حين تفشى عالمياً‮ ‬مُنزلاً‮ ‬الإصابة بأكثر من‮ ‬100 مليون إنسان،‮ ‬وما زاد على مليونين من الوفيات‮.‬

وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬استطاعت الصين توظيف كامل قدراتها لتطويق الوباء وحصره في‮ ‬أضيق نطاق وأنتجت لقاحاً‮ ‬فعّالاً‮ ‬للقضاء عليه، ‬مثلما اعتمدت آليات سليمة جاءت بنتائج إيجابية،‮ ‬فإن العالم ما‮ ‬يزال‮ ‬يغرق في‮ ‬حالة من الرعب والحزن والعزلة حتى بعد اكتشاف لقاحات بريطانية وأمريكية، ‬لكن نسبة الإصابات أخذت بالتعاظم خصوصاً‮ ‬بتحوّل الفايروس،‮ ‬وتندلع صراعات حول أحقية من لهم الأولوية في‮ ‬التلقيح،‮ ‬ودخل الإتحاد الأوروبي‮ ‬في‮ ‬نزاع مع شركات بريطانية بسبب تأخرها في‮ ‬توفير اللقاح الذي‮ ‬تعاقدت عليه، ‬كما منع تصدير اللقاحات التي‮ ‬تنتج على أراضيه دون ترخيص مسبق،‮ ‬لكن بروكسل تراجعت عن قرارها،‮ ‬علماً‮ ‬بأن بريطانيا تستورد لقاحات‮ "‬فايزر‮" ‬من بلجيكا،‮ ‬وتزعم الشركات البريطانية بأن خللاً‮ ‬ما حدث في‮ ‬مصانعها أدّى إلى مثل هذا التأخير،‮ ‬وفي‮ ‬الجانب الآخر‮ ‬ينظر الإتحاد الأوروبي‮ ‬إلى اللقاحات الصينية والروسية بنظرة لا تخلو من التشكيك بجديتها، ‬باعتبارها أقل فعالية من اللقاحات البريطانية والأمريكية،‮ ‬فما بالك باللقاح الكوبي‮ ‬الذي‮ ‬أُعلن عنه مؤخراً،‮ ‬والسبب ليس طبيّاً‮ ‬بالطبع وإنما دوافع تتعلق بالمنافسات التجارية والتحالفات السياسية ومدى تحقق الأرباح من جهة أخرى‮.‬

أما العالم الثالث وخصوصاً‮ ‬الدول الفقيرة فإن حظوظها قليلة من الحصول على اللقاحات، ‬بسبب تفضيل الدول الغنية وشروطها، ‬ناهيك عن ضعف الشعور بالمسؤولية إزاء القيم الإنسانية المشتركة المتجسدة في‮ ‬مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة والشراكة،‮ ‬وباستثناء مبادرة إماراتية لنقل لقاحات كورونا للدول النامية، ‬،‮ ‬حيث أعلنت شركة الإمارات للشحن ومطارات دبي‮ ‬وموانئ دبي‮ ‬عن تحالف لوجستي‮ ‬بينهم واستعدادهم لنقل مليوني‮ ‬جرعة فليس هناك شيءٌ‮ ‬ملموسٌ‮ ‬يُذكر‮ .‬

إن السلوك الاستعلائي‮ ‬إزاء البلدان الفقيرة‮ ‬يعكس الأنانية المتنكّرة لأبسط علاقات الاجتماع والتضامن والتكافل الإنساني،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن أنه‮ ‬ينمّي‮ ‬روح الكراهية والتمييز ويغذّي‮ ‬عوامل التعصّب ووليده التطرّف المنتجان للعنف والإرهاب، ‬دون اكتراثٍ‮ ‬من جانب الشركات المصنّعة للقاحات وغير المعنية بعدد المصابين وبعدد الموتى بسبب الوباء،‮ ‬بقدر ما هي‮ ‬معنية بالأرباح التي‮ ‬ستحققها،‮ ‬وبالدول التي‮ ‬يمكنها شراء هذا اللقاح بالأسعار التي‮ ‬تريدها وبالسرعة التي‮ ‬تعمل عليها‮.‬

لقد تمنّى‮ ‬غيبريسوس أن‮ ‬يكون العالم قد توصل إلى توزيع أكبر عدد من اللقاحات على جميع البلدان بعدالة قبل حلول‮ ‬يوم الصحة العالمي‮ ‬7‮ ‬ابريل‮ (‬نيسان‮) ‬،‮ ‬فالحق في‮ ‬الصحة هو حق أساس من حقوق الإنسان،‮ ‬وعلى الدول الغنية إحترام هذا الحق لجميع البشر وهو واجبٌ‮ ‬على جميع البلدان بالقدر نفسه،‮ ‬وإذا كانت الدول الغنية تمتلك المال الكافي‮ ‬لتأمين اللقاح،‮ ‬فعليها مساعدة الدول الفقيرة في‮ ‬الحصول عليه، ‬والأمر سينعكس على الجميع بشكل إيجابي، ‬خصوصاً‮ ‬وأن الاقتصاد العالمي‮ ‬لم‮ ‬يشهد فترة ركود اقتصادي‮ ‬كما حصل في‮ ‬العام‮ ‬2020‮ ‬ويكفي‮ ‬أن قطاع السياحة لوحده خسر نحو‮ ‬1300‮ ‬مليار دولار‮.‬

وآن الأوان لوضع حدٍ‮ ‬لنظام اللاّعدالة على المستوى العالمي، خصوصاً‮ ‬حين تساعد الدول الغنية الدول الفقيرة،‮ ‬كي‮ ‬يتمكّن العالم من مواجهة أو كسر سلسلة العدوى لكوفيد‮-‬19‮ ‬ بتوزيع اللقاحات على الجميع وفقاً‮ ‬لأولوية من‮ ‬يحتاج إليها بغض النظر عن وضعه الاجتماعي‮ ‬ودينه وقوميته وجنسه ولونه ولغته، ‬وتلك عدالة الطبيعة التي‮ ‬خلقت البشر متساوون بالكرامة والحقوق، إذْ‮ ‬لا‮ ‬يكفي‮ ‬التعبير عن مشاعر الغضب إزاء عدم المساواة والإجحاف والظلم،‮ ‬بل إن قبول مثل هذا الوضع‮ ‬يعني‮ ‬السماح للعب في‮ ‬مسرح‮ ‬يهدد حياة البشر التي‮ ‬هي‮ ‬أهم من جميع الحقوق الإنسانية‮.‬

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق