منذ ان تسلم الرئيس الاميركي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة في 20 كانون الثاني 2021، يلاحظ تزايد الاستهداف ضد المصالح الاميركية في العراق وأبرزها كانت استهداف ارتال الدعم اللوجستي واستهداف القواعد العسكرية الي تضم قوات اميركية بالقرب من مطار بغداد الدولي، وآخرها كان استهداف القاعدة العسكرية الاميركية بالقرب من مطار اربيل الدولي الاسبوع الماضي، في خط موازٍ للتصعيد ضد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة كما في الاستهدافات الصاروخية لحركة أنصار الله الحوثي ضد المملكة العربية السعودية.

وعقب الاستهداف الصاروخي الاخير في اربيل، اكدت الخارجية الاميركية "ستكون محاسبة للجهة المسؤولة عن الهجوم الصاروخي الاخير على القاعدة العسكرية الاميركية قرب مطار اربيل". فيما اعلنت سرايا اولياء الدم مسؤوليتها عن الهجوم والتي توصف على انها ميليشيا ايرانية.

في ظل هذا التصعيد الايراني، ماذا تريد إيران في هذه المرحلة؟ وكيف ستقابلها واشنطن؟ وكيف تنظر كل من طهران وواشنطن للعراق في ظل هذا التصعيد؟

رسائل طهران الى واشنطن مرتبطة بأمرين وكلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر: الاول، البرنامج النووي، والثاني: نفوذها في المنطقة. وكما هو معروف، ان الادارة الاميركية الجديدة اعلنت تأييدها إعادة الحياة للاتفاق النووي بين إيران من جهة ومجموعة ال(5+1) عام 2015. ولكن طالما كررت واشنطن امرين: الاول، انها تريد توسيع الاتفاق ليشمل برنامج الصواريخ الايراني، والثاني، ان يكون اتفاق طويل الامد. وطهران تدرك موقف الادارة الاميركية الجديدة من الاتفاق الذي أفصح عنه خلال المرحلة الانتخابية الاميركية.

وهنا توظف طهران دورها في مناطق نفوذها والتي أطلق عليها المرشد الاعلى انها اوراق لدى طهران، ويقصد الدول الاربع: العراق، سوريا، لبنان، واليمن عبر تجديد اوراق التفاوض هذه، والتي وظفتها سابقا وحصدت نتاج طيبة مع ادارة الريس الاسبق باراك اوباما في التوصل الى الاتفاق النووي عام 2015. ومضمون الرسالة ان تكتسب طهران اوراق قوية على الارض لتتمكن الضغط على واشنطن للتخلي عن هدف شمول البرنامج الصاروخي ضمن الاتفاق الجديد الذي تريده واشنطن.

فالبرنامج الصاروخي لإيران وأذرعها في المنطقة هو اهم عناصر قوة طهران وهو العنصر القائد لنفوذها في المنطقة. وهذه الرسالة تستدعي زيادة واستمرارية في تلك الهجمات على المصالح الاميركية في العراق.

العامل الآخر الذي يدفع طهران للتصعيد هو خسارتها الورقة السورية لصالح اسرائيل، اذ شهد العام 2020 تعرض المصالح الايرانية في سوريا الى أكثر من 50 استهداف أسفر عنها مقتل العشرات من المقاتلين الايرانيين وعناصر من المليشيات التابعة لطهران في سوريا، كما شهدت الاشهر الاولى من العام 2021 العديد من الاستهدافات المشابهة نجم عنها العديد من الخسائر في المقاتلين والذخائر العسكرية.

وعلى الرغم من عدم اعلان الحكومة الاسرائيلية مسؤوليتها عن الهجمات، الا ان الجيش والاعلام الاسرائيليين عادة ما يؤكدوا بشكل مباشر او غير مباشر مسؤولية بلادهم عن تلك الهجمات. ولهذا باتت التحركات الايرانية في سوريا محط مراقبة من قبل اسرائيل وهي اهداف مباشرة بالنسبة لتل ابيب. وبالتالي سيشهد العراق المزيد من الهجمات تعويضا عن الشلل الحاصل للجانب الايراني في الساحة السورية.

من جانبها اكدت الخارجية الاميركية ان الجهة المسؤولة عن الهجمات على اربيل ستحاسب. فيما أكد بيان للبيت الابيض عقب الاتصال بين جو بايدن ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ان الرئيس الاميركي أكد لنتنياهو على عدم امتلاك إيران للأسلحة النووية، وانه ملتزم بضمان أمن اسرائيل على المدى الطويل. فيما اعلنت الخارجية الاميركية ان وزير الخارجية بلينكن سيجري محادثات مع نظرائه الالماني والفرنسي والبريطاني بشأن امن الشرق الاوسط والملف النووي الايراني خلال الايام القادمة. وهذا يرجح الخيار الدبلوماسي للتعامل مع إيران، وهذا لا ينفي ان تشن ضربة محدودة تستهدف الجهة المسؤولة عن الهجوم في اربيل والتي ادت الى مقتل متعاقد مدني واصابة اربعة آخرين وسيظهر هذا الرد على انه منفصل عن الجهود الدبلوماسية.

تبقى واشنطن وطهران تنظران الى العراق على انه ساحة لتعاملها مع طهران من جانبين: الاول، عبر معادلة الحكم في العراق. اذ يتم التوافق بين واشنطن وطهران على من يتولى رئاسة الحكومة العراقية عقب كل انتخابات، وفي احيان يكون التأثير أكبر كما جرى عام 2010 عندما منحت واشنطن طهران دعما حيث تدخل الرئيس الاميركي الحالي بايدن وغير ارادة الناخبين العراقيين لصالح إيران ومنحت رئاسة الحكومة الى حزب الدعوة الاسلامية صاحب العلاقات الراسخة مع طهران.

من جانب آخر، اعلان امين عام حلف الناتو ينس ستولتنبيرغ يوم 18/ شباط/ 2021 توسيع الحلف لمهامه في العراق خلال المرحلة المقبلة وبموافقة الحكومة العراقية، وتأكيده على ان اعتداء اربيل شكل حافز مهم للحلف لتوسيع مهامه في العراق لتضم البعثة 5000 عنصر بدلا من 400 عنصر، ينبغي ان يستثمر امنيا –على الرغم من ان مهامه تدريبية- من قبل الحكومة العراقية باتجاه تحييد طرفي الصراع في الساحة العراقية عبر ضمان أمن سلامة الاماكن التي سيشغلها مقاتلي الحلف في العراق من الاستهداف اولا، ومن ثم ردع الجهات التي تخطط وتشن هجمات على قوات الحلف.

ويبدو من هذا الاعلان ان الحلف سيكون أحد اهم قنوات التعامل الاميركي مع النفوذ الايراني في العراق. ومن جانب آخر لا بد ان تتوافر الحكومة العراقية على الارادة اللازمة لضمان أمن القواعد العسكرية التي تضم قوات اجنبية واهمها عناصر الحلف وغيرها.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق