في الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام، السلطات العراقية تفرض غرامة على شاب في يوم زفافه قيمتها خمسة ملايين دينار بسبب إخلاله بالحظر الصحي الوقائي.

وفي الأخبار أيضا مواطن من ذوي الإحتياجات الخاصة يحرق سيارته في كركوك بسبب فرض غرامة مالية ضده لإخلاله بالحظر الصحي الوقائي، والمواطن يكشف أنه كان ذاهباً للطبيب وضابط الشرطة قد أهانه ولم يتفهم اضطراره للذهاب للطبيب، فانفجرت أعصابه وأحرق سيارته.

وفي مواقع التواصل الاجتماعي يتداول النشطاء قصة شاب يعمل في تحميل البضائع، تعرض متنه للخلع بسبب رفعه حمولة زائدة عن طاقته، يسأله صاحب العمل عن سبب قيامه برفع الحمل الزائد، فيجيبه الشاب بأنه يريد جمع مالٍ إضافي ليعوض ما يفوته خلال مدة حظر التجوال لأنه لا يملك قوت أسرته لو تأخر عن العمل لمدة يوم واحد.

القصص الثلاث أثارت انتقادات شديدة من قبل الجماهير العراقية التي سمعت بها أو شاهدتها، وبعضهم بدأ يستعرض بعض المهرجانات الحكومية التي أقيمت في كردستان لإحدى الجهات السياسية، واعتبرها تمييزاً لصالح المسؤولين ضد المواطنين البسطاء.

واتفق أغلب المعلقين على أن القرارات الحكومية القاسية يتم تطبيقها ضد المواطن البسيط الذي لا يملك حزباً أو جهة متنفذة للدفاع عنه، وهذا ما يحصل فعلاً بعد إقامة عشرات التجمعات والحفلات لمتنفذين وسياسيين ولم تحاسبهم الحكومة لأنها لا تستطيع أصلاً، فالحكومة التي لا تستطيع رد جهات سياسية تقوم باستعراض عسكري في وضح النهار، لا يحق لها الحديث عن العدالة، ولا يحق لها فرض القوانين على المواطنين البسطاء.

تذكرنا الفترة الحالية الراهنة بالسنوات الأخيرة لحكم حزب البعث، فمن ينتمي للبعث يمكنه إهانة غيره، بدون أي سبب إلا لأنه ينتمي للبعث وهو خارج أطار القانون، وهذه هي حالة الأنظمة التي تعيش آخر أيامها، إذ تفتقد العدالة إلى أقصى قدر ممكن، ولا يجد المواطن أي سبب للحفاظ على الوضع الراهن.

ولا يوجد مبرر منطقي لقيام الحكومة بحماية الجهات المتنفذة سياسية كانت أو جماعات مسلحة، وأمام أعين المواطنين، كما أن الحكومة ذاتها توفر الضمانات المالية الكاملة للموظفين لديها في القطاع العام، بينما تتقاعس عن توفير أي ضمانات مالية للعاملين بالقطاع الخاص، والذين فقدوا أعمالهم.

هناك مشكلات في تطبيق القانون بالعراق وهذا ما زاد من شعور المواطن بغياب العدالة، ودفعه نحو مخالفتها في أي لحظة يمكنه فيها فعل ذلك، وهو يحاول أما تدمير هذه القوانين، أو الركوب في قارب الجهات المتنفذة لينضم إلى جيوش الاستثناءات فيبرز هويته التعريفية في أي موقف يجد فيه معوقا قانونياً، ليسحق القانون ويفعل ما يشاء بينما المواطن البسيط لا يملك سوى المشاهدة.

من المعروف ان قوة القانون تكمن في قدرته على رفع جدران الاستثناء، وتسطيح الأرض تحت أقدام الناس، وليس برفع مكانة شخص ووضع آخر، الكل سواسية أمام القانون سواء أكان المخالف مواطناً بسيطاً أو وزيراً أعلى في الدولة، من دون تفعيل هكذا بيئة فالقوانين لدينا تبقى مجرد "ديكور" ديمقراطي لدولة تعيش القرون الوسطى.

والاستثناء كارثة ستتسبب في نهاية التجربة الديمقراطية الفتية في البلاد، إذا استمر تطبيقها بالطريقة التي تمارسها السلطات الآن، وأجد من الإسراف تجميع الأمثلة لإثبات ما أقوله في المقال، فالواقع يعرفه المسؤول والكاتب والقارئ وحتى الطفل الصغير بالمدرسة الابتدائية.

هناك فيضان بالشعور بغياب العدالة، وهذا الفيضان سيكون السبب الأساسي في إنفجار الشعب من جديد لأن الطرق عندما تغلق بواسطة جدران غير عادلة فلا تبقى وسيلة أمام الشعب إلا تدمير الجدران تلك على طريقة الشعب الفرنسي حينما هدم جدران سجن الباستيل والشعب الألماني عندما هدم جدار برلين.

انقر لاضافة تعليق