في العراق جميع الملفات تحتاج الى تحقيق ومحاسبة المقصرين فيها، لكن الملف الأكثر الحاحا وحاجة لذلك التدقيق هو ملف الفساد وكشف المتورطين فيه سواء من أحزاب السلطة او غيرهم من المشاركين بإدارة مؤسسات الدولة.

أولى هذه الملفات التي عثرت عليها مجسات الجهات المعنية والمُحملة مسؤولية البحث عن الحقائق هو ملف استيراد أجهزة الكشف عن المتفجرات بالتزامن مع تدهور الأوضاع الأمنية ما تطلب حينها إيجاد حلول قادرة على تخطي المحنة الأمنية، فعمد العراق في العام 2007 الى استيراد 6 آلاف جهاز بكلفة بلغت مئتي مليون دولار، ليتبين بعدها أن مسؤولين عقدوا صفقة، جنوا منها الملايين من الدولارات، عبر شراء أجهزة مزيفة تسببت بزهق الأرواح البريئة.

ونبقى في دائرة الفساد وفي عام 2008، اشترى العراق 6 طائرات مدنية من طرازCS300 ، بأسعار تفوق مبالغها الحقيقية بـ 277 مليون دولار، وقامت فيما بعد الحكومة العراقية الى شركة كندية بقيمة تقل عن سعرها بـ 70%، حيث كانت الطائرات غير ملائمة للأجواء العراقية وضيقة لا تتسع سوى لـ 70 شخصًا.

هاذان المثالان هما ابسط الأدلة على حجم ملف الفساد الذي يعاني منه العراق منذ تغيير نظام الحكم ولغاية اليوم، اذ لا يزال مزاد العملة يهدر يوميا ملايين الدولارات، وبالنتيجة تُهرب هذه الأموال الطائلة الى الخارج من قبل الرؤوس الكبيرة والمتنفذة بالبلد.

المسؤولون الحكوميون نفسهم يتحدثون عن صعوبة السيطرة على حركة المافيات الفاسدة المتغلغلة بين الأوساط السياسية، ففي أيلول 2014، كشف رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي، عن وجود 50 ألف موظف فضائي في وزارة الدفاع، يتسلمون رواتب بأسماء وهمية!

هذه الاعداد خسرّت العراق في حينها مبالغ مرعبة لا يمكن لاحد ان يتصورها، سوى من كان شريكا يعرف تفاصيلها الدقيقة، والمتمثلة بعمولات لإتمام صفقات الفساد وجني المزيد من أموال الشعب وقوته.

وأكثر القطاعات شاهدا على ارتفاع منسوب الفساد في عراق ما بعد التغيير هو قطاع الكهرباء، اذ يقدر حجم ما تم إنفاقه عليه منذ عام 2006 حتى عام 2018، بـ 28 مليار دولار، وفق تقرير رسمي لهيئة النزاهة العامة، بينما لا يزال العراقيون يعانون من نقص بساعات التجهيز وانقطاع مستمر يصل في كثير من الأحيان الى ما يقرب من عشرين ساعة.

وكشف تحقيق استقصائي أجراه موقعا “فبرفاكس ميديا” و”هافنتغون بوست”، عن تورط وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق، وغيره من المسؤولين بصفقات فساد تتعلق بعقود نفطية، فيما عرف إعلاميًا بـ “فضيحة اونا اويل”. ويتحدث التحقيق عن عشرات المليارات من الدولارات ذهبت في جيوب القائمين على هذه الصفقات.

ويندرج ضمن فساد الحكام ما بعد سقوط النظام هو السيطرة على اغلب الأماكن الحيوية، فمثلا هيمنة الحزب الفلاني على قصر من القصور، واتخاذ حركة معينة أحد اهم الأمكنة مقرا لنشاطاتها، هذه البنايات كلفت الأنظمة ملايين الدولارات وتُركت للاستخدام الشخصي أي من قبل الأشخاص المتحزبين الذين شرعوا هذا الاستخدام وبرروه حسب اهوائهم.

جائحة الفساد هي من أخرجت الملايين من العراقيين ونزلوا الى الشوارع في اغلب المحافظات العراقية، فالممارسات التي أقدمت الشريحة السياسية يراها مواطنون انها استنزاف صريح لثروة البلد الطائلة، لكن خروجهم ومع إصرار الكتل على تهميشهم لم يقدم للموضوع ما يخدمه ويكشف بعض خيوط الفساد.

ويقول الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة العراقية إن "الفساد كان عبارة عن عمل فردي، ولكن فيما بعد أصبح ظاهرة، في بدايات عمل هيئة النزاهة كان لدينا نحو 2700 دعوى فساد قضائية قدرتنا قيمتها المالية بشكل تقريبي بنحو 17 مليار دينار عراقي أي ما يعادل نحو 15 مليون دولار".

ويلفت انتباهنا الى مؤشرات فساد أخرى النائب في البرلمان العراقي جواد الموسوي الذي قدم وثائق في شهر أغسطس 2019، وتتحدث الوثائق طرحها عن شبهات فساد في وزارة الصحة العراقية وفي العقود التي تشرف عليها شركة كيماديا المعنية باستيراد الأدوية إلى العراق.

ولان ملف الفساد يعتبر من اهم الملفات التي تتصدر القضايا الأخرى، نرى جميع رؤساء الحكومات واخيرهم مصطفى الكاظمي يعولون على الإصلاح عبر هذه النافذة المهمة مقارنة بغيرها من النوافذ الأخرى، كالطاقة والوقود والتعليم والصحة.

الحقيقة الدامغة والتي يخشى البعض توجيه الأصابع تجاهها وتشخيصها هي ان الفساد في العراق تتم ممارسته بتغطية الرؤوس القوية وصاحبة السلطة، وذلك يكون من الصعب على الكاظمي ومن يخلفه ان يضع النقاط على الحروف، ويفي بوعوده التي قطعها على نفسه امام أبناء الشعب وأعضاء كابيتنه الحكومية.

قبل أشهر من الآن شهد العراق حملة ضد الفساد ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي، واخذ دور القائد فيها رئيس الحكومة الحالية، وبعد شهور اتضحت الرؤية وتبينت انها مجرد فقاعة عابرة لا يمكن التعويل عليها لطي مرحلة الفساد وإبعاد شبحها عن العراق الذي تراجع كثيرا لهذا السبب.

فالمنافذ الحدودية التي تدر الملايين على الخزينة العراقية، لا تزال خاضعة تحت سلطة المتنفذين، بعد ان أعلنت الحكومة اتباع أساليب جديدة ومغايرة لمكافحة آفة الفساد، فتبددت أحلام الملايين وشُيع الامل الى مقبرة اليأس.

"تفاءلوا بالخير تجدوه" الجميع يعرف هذه القاعدة الأساسية في التعامل مع الأمور الحياتية، الا ما يخص الفساد في العراق فلا يحق لاحد ان يتفاءل خيرا، وهذه الحقيقة المرة علينا ان نتقبلها في الوقت الحالي، وان نؤجل موعد إقامة مأدبة الوداع لهذا المرض العضال حتى نتماثل للشفاء بصورة تامة.

انقر لاضافة تعليق