حين‮ ‬يرتقي‮ ‬التسامح ليصبح فريضة من الفرائض فهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنّه راهني‮ ‬وحاجة ماسّة ولا‮ ‬غنى عنها،‮ ‬بل ضرورة ملحّة بقدر ما هو خيار لتيسير حياة الفرد والمجتمع والدولة،‮ ‬وعكسه سيكون اللّاتسامح بمعنى التعصّب ووليده التطرّف والعنف والإرهاب،‮ ‬ناهيك عن العنصريّة والشوفينيّة والاستعلاء والهيمنة وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة،‮ ‬والزّعم بالحق في‮ ‬احتكارها‮.‬

وإذا كان البشر خطّاؤون على حدِّ‮ ‬تعبير فولتير،‮ ‬فعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح،‮ ‬فلا أحد‮ ‬يمتلك الحقيقة كاملة،‮ ‬وليس هناك أفضليّة لبشر على آخر بسبب صفاته البيولوجيّة أو عرقه أو دينه أو جنسه أو لغته أو لونه أو أصله الاجتماعي،‮ ‬والبشر مختلفون باختلاف أشكالهم وصفاتهم وقوميّاتهم وأديانهم ولغاتهم وأجناسهم وانتماءاتهم وأصولهم الاجتماعية وأهوائهم وأمزجتهم وأذواقهم،‮ ‬لذلك‮ ‬يقتضي‮ ‬أن‮ ‬ينظر كلّ‮ ‬منهم إلى الآخر بالاحترام والقبول والتقدير والانفتاح والتواصل وحرّية الفكر والضمير والمعتقد،‮ ‬وهو ما جاء في‮ ‬الإعلان العالمي‮ ‬للتسامح الصادر عن منظّمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في‮ ‬العام‮ ‬1995 والذي‮ ‬تقرّر فيه اعتبار‮ ‬يوم‮ ‬16 نوفمبر‮ (‬تشرين الثاني‮) ‬من كل عام‮ ‬يوماً‮ ‬عالميًّا للتسامح‮.‬

نزعات الاقصاء

ولأنّ‮ ‬مجتمعاتنا تعاني‮ ‬من نزعات الإقصاء والإلغاء والتهميش،‮ ‬فنحن أشدّ‮ ‬ما نكون إلى التسامح كخيار استراتيجي‮ ‬لقطع الطريق على القوى المتعصّبة والمتطرّفة والعنفيّة والإرهابية التي‮ ‬لا تؤمن بالحوار والتواصل بين الثقافات وأتباع الأديان والمذاهب وصولاً‮ ‬إلى المشترك الإنساني،‮ ‬ليس هذا فحسب،‮ ‬بل إنّ‮ ‬ما نشهده من إساءات لديننا الحنيف ومجتمعاتنا العربية الإسلاميّة،‮ ‬يدفعنا للبحث عن السبل الكفيلة لنشر ثقافة التسامح وتعميمها،‮ ‬والأمر لا‮ ‬يتعلّق بمجتمعاتنا فحسب،‮ ‬بل بامتداداتها للجاليات العربيّة والمسلمة في‮ ‬أوروبا والغرب،‮ ‬ولعلّ‮ ‬ما حصل من عمليات إجراميّة مؤخّراً‮ ‬في‮ ‬باريس ونيس وفيينا خير دليل على ذلك،‮ ‬بما فيها ردود الفعل السلبيّة التي‮ ‬تتّهم العرب والمسلمين بالجملة بالإرهاب،‮ ‬لأنّ‮ ‬دينهم‮ ‬يحضّ‮ ‬على ذلك كما ذهبت إلى ذلك الموجة الشعبويّة العنصريّة الجديدة،‮ ‬التي‮ ‬عبّر عنها خطاب الرئيس الفرنسي‮ ‬ماكرون إثر مقتل المدرّس الفرنسي‮ ‬بالطريقة الفجائعيّة المعروفة‮.

‬المقصود من اعتبار التسامح فريضة،‮ ‬لأنّه‮ ‬يعني‮ ‬الوئام في‮ ‬سياق الاختلاف واتّخاذ موقف إيجابي‮ ‬فيه إقرار بحقّ‮ ‬الآخرين من التمتّع بحقوق الإنسان وحرّياته الأساسية المعترف فيها عالميًّا،‮ ‬ولذلك لا‮ ‬ينبغي‮ ‬التذرّع والاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بالقيم الأساسية لحقوق الإنسان،‮ ‬كما لا‮ ‬ينبغي‮ ‬بحجّة مواجهة اللّاتسامح تقليص الحقوق المدنيّة والسياسيّة أو التجاوز على عقائد الآخرين أو دفع مجموعات ثقافيّة بالإرهاب أو تقييد الحقوق والحرّيات بما فيها الإعلامية‮. ‬اعتقادان خاطئان سادا ضدّ‮ ‬فريضة التسامح،‮ ‬الأوّل‮ - ‬الذي‮ ‬يقوم على الإسلامفوبيا‮ (‬الرهاب من الإسلام‮) ‬باعتبار تعاليمه تحمل فيروسات العنف والإرهاب،‮ ‬وقد صار مثل هذا الاعتقاد جزء من المتخيّل الجمعي‮ ‬في‮ ‬الغرب،‮ ‬والثاني‮ - ‬الويستفوبيا‮ (‬الرهاب من الغرب‮) ‬باعتباره شرٌّ‮ ‬مطلق ويتم ازدراؤه من جانب الإسلامويين والمتعصبّين لدينا،‮ ‬ومثل هذين الرأيين‮ ‬يقومان على أيديولوجيا مسبقة تلك التي‮ ‬تشيطن الآخر بنظرة إسقاطيّة أساسها الكراهية والاستعلاء.وإذا كان عالم التسامح مرتبطاً‮ ‬أيضاً‮ ‬بالحداثة والمدنيّة والعقلانية فكيف السبيل للولوج إليه؟،‮ ‬وفي‮ ‬هذا الصدد نقول هناك‮ ‬10 فرضيّات أساسية إذا ما أخذت بها المجتمعات والبلدان واعتمدت كقواعد قانونيّة‮ ‬يمكن تهيئة بيئة صالحة لبذر التسامح وإروائه ليصبح شجرة باسقة وهي‮ ‬الإقرار بـ‮: ‬أولاً‮ - ‬نسبيّة المعرفة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تجربة الخطأ والصواب،‮ ‬وكان أوّل من دعا إلى ذلك سقراط وطوّر الفكرة بعده فولتير؛ وثانياً‮ - ‬لا عصمة من الخطأ،‮ ‬فحتّى العلماء‮ ‬يخطأون،‮ ‬وليس لبشر عصمة طالما هم‮ ‬يعملون فهُم‮ ‬يخطأون.

وثالثاً‮ -‬عدم امتلاك الحقيقة،‮ ‬والكل‮ ‬يحاول مقاربتها من خلال النقاش والجدل،‮ ‬ورابعاً‮ - ‬التعدّدية والتنوّع للأديان والقوميّات والبلدان والمجتمعات والأفراد؛ وخامساً‮ ‬حق الاختلاف باعتباره حقيقة فائقة وسيكون البحث عن التطابق مجرّد وهْم مثلما سيكون كل إجماع مصطنعاً‮ ‬بإلغاء الفروق‮. ‬وسادساً،‮ ‬الموقف الإيجابي‮ ‬من الآخر،‮ ‬وهو دليل حضاري‮ ‬لقبول فكرة التسامح؛ وسابعاً‮ ‬عدم التمييز الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون على قاعدة المساواة والعدل في‮ ‬التشريع والقضاء والإدارة أي‮ "‬حكم القانون‮" ‬الذي‮ ‬عبّر عنه مونتسكيو بقوله‮: (‬القانون مثل الموت لا‮ ‬يستثني‮ ‬أحداً‮)‬،‮ ‬أي‮ ‬يسري‮ ‬على الجميع حكّاماً‮ ‬ومحكومين؛ وثامناً‮ - ‬المساواة صعيد الفرد والأسرة والمجتمع،‮ ‬وقد جاء في‮ ‬القرآن الكريم أن البشر متساوون في‮ ‬الكرامة الإنسانيّة وورد في‮ ‬سورة الإسراء‮ "‬تكريم بني‮ ‬آدم"؛ وتاسعاً‮ ‬نشر التسامح من خلال التربية والتعليم للمراحل المختلفة كفلسفة وثقافة،‮ ‬إضافة إلى دور الإعلام والمجتمع المدني‮ ‬والفاعلين السياسيين والاجتماعيين‮.‬

ضرورة اصلاح

وأخيراً،‮ ‬وعاشراً‮ - ‬ضرورة إصلاح المجال الديني،‮ ‬ومن خلال إصلاح الفكر الديني‮ ‬يمكن إصلاح الخطاب الديني،‮ ‬وعلى‮ ‬غرار هوبز‮: ‬كلُّ‮ ‬إصلاح مفتاحه الفكر الديني،‮ ‬وإذا ما سادت هذه الفرضيّات وأصبحت واقعاً‮ ‬يمكن الحديث عن فريضة التسامح من خلال فلسفته وثقافته ووجوده في‮ ‬الحياة اليومية والاجتماعية على صعيد كل المجتمع والفرد وعلى الصعيد الدولي،‮ ‬كقيمة أخلاقيّة مثلما هو قيمة اجتماعيّة وقانونيّة‮.‬

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق