بقي الفلاسفة على مر التاريخ يشعرون بالخيبة من عدم حل بعض المشاكل الفلسفية مثل الوعي، المعرفة، المعنى، الرغبة الحرة والذات. العديد من المفكرين البارزين أشاروا للهوة الكبيرة بين قدراتنا الذهنية وأهداف الفلسفة، المتعلقة بمعرفة حقيقة الطبيعة النهائية والواقع. الناس فيما يبدو غير مؤهلين ادراكيا لمعالجة المشاكل التي تثيرها الفلسفة، ولكنهم جيل بعد آخر يكافحون للوصول الى الآفاق الزائفة أمامهم.

أمام هذه المحدودية، تبنّى بعض الفلاسفة نوعا من "عزيمة رواقية". وكما كتب توماس ناجل، "اذا كانت الحقيقة هي هدفنا، فلابد ان نقبل بإنجاز ذلك الهدف لمدى محدود جدا، وبدون أي تأكيد، لكي يمكن ان نعيد تعريف الهدف لضمان تحقيقه عبر مختلف أشكال الاختزالية، النسبية، التاريخية، كطريقة لإنجاز الرغبة المعرفية. الفلسفة لا يمكنها ان تلوذ بالطموحات المختزلة. انها تتجاوز الحقيقة الأبدية وغير المحلية، حتى عندما ندرك ان ذلك سوف لن نصل اليه"(رؤية من لامكان، ص10).

فلاسفة آخرون اختاروا بالضبط ما دعا ناجل لتجنّبه: قبول ملاذ في الطموحات المخففة. بدلا من التخبط في محدودياتنا، دعوا الى جلب اهداف الفلسفة ضمن حدود الامكانيات. وهناك آخرون تبنّوا موقفا في مكان ما بين هذين الاتجاهين. كولن ماكين، مثلا، يرى ان العديد من المشاكل الأساسية في الفلسفة هي ليست غير قابلة للحل بذاتها، وانما هي غير قابلة للحل للذهن الانساني.

نحن ببساطة نفتقر للمعدات الذهنية الكافية لإنتاج المفاهيم المطلوبة لفك ألغاز الفلسفة. وبالتالي، يتكهن ماكين ان "في المليون سنة القادمة" سيكون حقل الفلسفة بالضبط في نفس الإشكاليات والعقد المحيّرة التي نجدها اليوم: مستودع للألغاز الغامضة والأسئلة دون إجابة. وبالنتيجة، هو ينصح الفلاسفة ان يستمروا بالعمل ضمن أقل أهداف للفلسفة، مثل "التحليل المفاهيمي، منهجة العلوم، الاخلاق والسياسة، واشياء اخرى" (مشاكل في الفلسفة:حدود التحقيق، 1993). وفي نفس الوقت، نحن "نرضخ لقيودنا البنيوية"، والتي سوف تمنعنا الى الأبد من كشف أسرار الطبيعة. ولو ردّدنا مع دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع الامريكي السابق)، نحن نمارس الفلسفة بالأذهان التي لدينا وليس بالأذهان التي نريد او نرغب ان نمتلكها في أوقات لاحقة.

الشيء المشترك في جميع هذه المواقف هو انها الى مدى معين تتخلى عن أسمى محاولات الفلسفة. وهذا متوقع، بالطبع، في ظل عدم وجود خيارات اخرى.

وكما يشير برتراند رسل في عام 1936، "هناك عدة اسئلة ومن بينها تلك التي ذات أهمية عميقة لحياتنا الروحية، والتي بقدر ما نستطيع ان نرى، يجب ان تبقى غير قابلة للحل للعقل البشري مالم تصبح قدرته ذات نظام مختلف كليا عما هو عليه الآن"(مشاكل الفلسفة، فصل 15). المفردة الرئيسية هنا هي "ما لم".

التكنلوجيات الجديدة مثل منشطات الذهن، تفاعل الذهن مع الكومبيوتر، الزراعة العصبية، الهندسة الوراثية، وحتى تحميل الذهن او ما يسمى "محاكاة كاملة للدماغ"(1) قد تغيّر النظام العصبي لدماغنا لكي تحسّن تفكيرنا كميا ونوعيا. وفي دراسة قام بها نك بوستروم و كارل شلمن تؤكد ان التقنية المسماة "اختيار الأجنة المتكرر" (2) قد تخلق مكاسب في قدرات الذهن بما يقارب 130 نقطة في وقت قصير نسبيا. النتيجة ستكون وجود ناس ما بعد انسانيين شديدي الذكاء، قادرين ليس فقط على معالجة المزيد من المعلومات في وقت أسرع، وانما الدخول التام الى مكتبات جديدة من المفاهيم تكون ملائمة للفلسفة وايضا وبشكل دائم خارج حدود ادمغتنا البايولوجية.

هذا يقود الى إمكانية اخرى: بدلا من تحجيم الفلسفة لتجاري الحدود الحالية، سيتم رفع الفيلسوف ليكون في مستوى تحقيق الأهداف النبيلة لمجال عمله. وكما يقول مارك ووكر: "الفكرة في الشعار، هي ليس اننا يجب ان نهمل الفلسفة، وانما الفلسفة يجب ان تهملنا"(مجلة التطور والتكنلوجيا، مارس 2002). اذا كان على الفلسفة ان تحقق اي تقدم في قضاياها الاساسية، فهي تتطلب عقولاً بقوة ذات تنظيم مختلف كليا عما عليه الآن"، كما يذكر رسل.

ولأول مرة في التاريخ، تطل ببطء مجموعة رائعة من وسائل تعزيز الادراك الراديكالي على آفاق الإمكانات التكنلوجية، جاعلة هذا طريقا معقولا نحو الامام. لذا يجادل البعض ان طاقات معظم الفلاسفة اليوم ستكون افضل لو بُذلت في العمل لضمان ادراك تام وملائم لتكنلوجيات توسيع الذهن بدلا من ان تُوجّه الى حل المشاكل العقيمة والمستعصية التي ثبت عقمها حتى لأبرز المفكرين في التاريخ.

بالمقارنة، لو تصوّرنا ان زيد يريد نقل طن من الحجر. هو يمضي عدة سنوات في رفع أثقال للإعداد للمهمة. لاحقا هو يصبح قوي جدا، لكنه عندما يحاول دحرجة الصخور، يجد ان جهوده ذهبت هباءً، نظرا للمحدوديات المتأصلة في جهازه العضلي. الآن لنتصور انه بدلا من ان يصبح أثقل وزناً عبر ممارسة التمارين البدنية، هو ينفق وقته في تصميم وبناء هيكل ميكانيكي خارجي – لنسميه رافعة او crane يزيد قدرته على الإستخدام الفيزيقي للعالم. عبر الدخول الى الرافعة، هو يصبح نوعا من سوبرمان بقدرات رفع خارقة. يستطيع تحريك الصخور بسهولة عبر الضغط على الزر وسحب العتلة. زيد هو بالطبع، الجماعة الفلسفية، والصخور تمثل الأسرار التي يسعى التحقيق الفلسفي لكشفها.

لكن العديد من المستقبليين يتفقون على ان مجيء ما وراء الانسان المعزز فكريا في ضوء مسار تكنلوجيا السايبورغ CYBORG (3) اصبح ممكنا. اذاً لماذا لا نساعد هذه العملية لتسير قدما؟ بعد الفين سنة ونصف من الجمود في بعض المشاكل الفلسفية العقيمة، ربما حان الوقت لنضع الأمل في الجيل القادم من الفلاسفة المابعد انسانيين. وبالنهاية، فان احدى الطرق لحل مشكلة عدم الملائمة بين المشاكل الفلسفية وأذهاننا هي ان نعيد تشكيل أذهاننا لكي تنسجم بشكل أفضل.

The future of Philosophy is CYBORG, philosophy Now January 2021

................................
الهوامش
(1) تحميل الذهن mind-uploading هو مصطلح يشير للعملية التي يتم بها نقل الذهن، مجموعة الذكريات، الشخصية، وخصائص فرد معين من دماغه البايولوجي الأصلي الى ركيزة كومبيوترية اصطناعية.، يمكن للكومبيوتر بعد ذلك تشغيل نموذج محاكاة لمعالجة معلومات الدماغ بحيث يستجيب بنفس الطريقة التي يستجيب بها الدماغ الاصلي. حالما يصبح بالإمكان نقل الذهن من ركيزة الى اخرى عندئذ يسمى (SIM) او الذهن المستقل الركيزة. هذا المفهوم تحفّز بفكرة تصميم سوفتوير يمكنه تشغيل عدة كومبيوترات بمختلف انواع الهاردوير دون الحاجة الى اعادة كتابته.
(2) اختيار الأجنة المتكرر Iterated Embryo Selection هو تقنية افتراضية لو جرى تطويرها سيصبح بالإمكان استعمالها لإختيار الأجنة بمواصفات معينة أكثر كفاءة. اولاً، يتم جمع عدة خلايا جذعية جنينية من مختلف المتبرعين. هذه الخلايا الجذعية يتم تمييزها الى خلايا حيوانات منوية وخلايا بويضات، الخلايا المنوية ستلقح البويضة. الكروموسوم الناتج من البيضة الملقحة سيتم وضعه ضمن تسلسل، والبيضة الملقحة بعدد كبير من النسخ الجنينية المرغوبة سيتم الاحتفاظ بها، بينما يُهمل الباقي. بعد ذلك، سيتم تمييز البويضات الملقحة المتبقية الى خلايا حيامن وبويضات، والعملية ستتكرر بهذه الخلايا من الحيامن والبويضات حتى يتم الحصول على بيضة ملقحة مقبولة. عملية التكرار تحاكي التطور في مدى زمني قصير وتسمح بتحكّم اكبر في الكروموسوم الذي يمكن الحصول عليه بعد جيل واحد عبر اختيار البيضة الملقحة المرغوبة.
(3) تكنلوجيا السايبورغ تشير الى الانسان المسيّر آليا، حيث يكون مركب من جزئين، جزء حيوي وجزء آلي ذو قدرات خاصة. هذه التكنلوجيا سوف تستبدل الانسان وتعيد تشكيل العالم. يذكر جيمس لوفلوك ان تفوّق الانسان كمدرك رئيسي للكون سيصل بسرعه الى نهايته. هو يصف السايبورغ بالروبوتات المكتفية ذاتيا وأنظمة الذكاء الاصطناعي. أول من استخدم مصطلح السايبورغ هما منفريد كلاينس و ناثان كلن عام 1960.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق