الدعوة الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة، في العراق او في اي بلد اخر، ليست مجرد امنية حالمة او فكرة طوباوية، على غرار جمهورية افلاطون او يوتوبيا توماس مور وغيرهما؛ انما هي كشف عن اتجاه تاريخي عام، ودعوة الى الاتساق مع هذا الاتجاه التاريخي، انها دعوة المجتمع العراقي، او اي مجتمع اخر، الى التحرك وفق الحركة التاريخية العامة، وليس على الضد منها، دعوة الى دخول التاريخ، وليس الخروج منه تحكم حركة التاريخ البشري، منذ اللحظة التي وجد فيها الانسان العاقل على الارض، ثلاثة انواع من السنن او القوانين التاريخية، وهي:

النوع الاول، القوانين الشرطية، وهي تلك التي ترتبط فعاليتها في الساحة التاريخية بشرط اخر، مثل قانون التغيير الاجتماعي الذي يشير اليه القران الكريم بقوله: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ". ومؤداه ان حصول التغيير في البنى الفوقية للمجتمع مشروط بحصول التغيير في البنى التحتية للمجتمع.

النوع الثاني، السنن الحتمية، وهي القوانين الصارمة حتمية الوقوع التي لا يمكن ابطالها، مثل قانون حتمية سقوط الانظمة الظالمة، الذي يشير اليه القران بقوله: "وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ".

النوع الثالث، الاتجاه التاريخي العام، وهو السنة التي تشكل ظاهرة تاريخية عامة يمكن ان يخرج مجتمع ما من دائرة تأثيرها لفترة من الزمن، لكنها تبقى مؤثرة في السير العام للمجتمعات البشرية الاخرى، مثل سنة التقدم المستمر او التطور التراكمي المتواصل، التي يشير اليها القران الكريم بقوله: "لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ".

ويعود الفضل في الكشف عن هذه الانواع من السنن التاريخية الى السيد محمد باقر الصدر في محاضراته حول "التفسير الموضوعي" للقران التي القاها على طلبته قبيل استشهاده على يد الطاغية صدام حسين. ونحن نعلم ان السقوط كان مصير النظام الظالم بفعل النوع الثاني من السنن، اي السنن الحتمية. ولا ننسى ان الكثير من الفلاسفة والمفكرين تحدثوا عن السنن او القوانين التاريخية، امثال ابن خلدون وكارل ماركس وارنولد توينبي، وغيرهم كثيرون؛ وان معرفتنا بهذه السنن هي بدورها معرفة تطورية تتكامل مع مرور الزمن.

الدولة الحضارية الحديثة مصطلح تم استحداثه للاشارة الى احدى قوانين التاريخ من النوع الثالث. ومفاده ان الدول تتطور وتتكامل بمرور الزمن. قد تقوم دولة هنا، وقد تسقط دولة هناك، لكن الخط البياني لسير الدول في المجتمع البشري العام يشير الى تكاملها ونموها وتطورها وتقدمها بصورة تراكمية. ويؤكد الاستقراء التاريخي هذه الحقيقة بملاحظة تطور الدول منذ نشأة اول دولة-مدينة في وادي الرافدين قبل الاف السنين الى اليوم.

واذا كان هذا السير التكاملي قد انتكس في وادي الرافدين بسقوط الدولة الاشورية مثلا، في سنة ٦١٢ قبل الميلاد، فان هذا السير التكاملي للدولة عاود الظهور في اليونان بقيام دولة اثينا، التي سقطت بدورها، لينتقل الخط التكاملي الى روما، وقيام الامبراطورية الرومانية ثم سقوطها هي الاخرى في عام ٤٧٦ ميلادية، لتبدأ فترة العصور المظلمة في تاريخ تطور الدول والتي استمرت حوالي الف عام، ليعاود هذا الخط سيره التكاملي لبدء ظهور مفهوم الدولة الحديثة في اوروبا في عام ١٦٤٨ بتوقيع معاهدات ويستفاليا. واليوم نجد عددا ليس بالقليل من المجتمعات التي استطاعت ان تنخرط في المجرى العام لتكامل الدول،

وانشأت دولها الحضارية الحديثة، على درجات مختلفة، كما في النرويج والدانمارك والسويد وهولندا والمانيا وسويسرا وبريطانيا والمانيا واليابان وماليزيا وسنغافورا ورواندا، التي قد تكون اخر الدول الداخلة في نادي الدول الحضارية الحديثة.وطبيعي ان نفترض ان هناك عوامل داخلية واخرى خارجية تؤثر على فرص المجتمع في السير في هذا الاتجاه التاريخي العام.

الدولة الحضارية الحديثة مفهوم تشكيكي، كما يقول المنطق، بمعنى ان لها مراتب ودرجات. فاذا كان مفهوم الدولة الحضارية الحديثة وماهيتها واحدا، فان مصاديقها ومراتبها ودرجاتها متعددة ومتباينة. فقائمة الدول الداخلة في هذا الوصف تتضمن دولا حققت درجات مختلفة في حضاريتها وحداثتها، وليست على درجة واحدة او مرتبة واحدة. واذا فرضنا ان سلم درجات مراتب الدولة الحضارية الحديثة يتألف من ١٠٠ درجة، فستكون الدول التي حققت ٥٠ درجة فما فوق هي الدول الناجحة في اختبار الدولة الحضارية الحديثة، وهذه هي الدول المتقدمة؛ واما الدول التي لم تحقق الا ٤٩ درجة او اقل فهي دول فاشلة في الاختبار، وهذه هي الدول المتخلفة.

ويحدد موقع الدولة في السلم بناء على معايير كثيرة جدا مثل تحقيق السعادة، والحرية، وسيادة القانون، والناتج القومي الاجمالي، وحجم الانفاق على التربية والتعليم والصحة وبقية الخدمات، وسهولة الاجراءات، والفساد، والنزاهة، والديمقراطية، والتنمية البشرية، وهشاشة الدولة، وغير ذلك. وقائمة المعايير مفتوحة وقابلة للاضافة. وقد لا تتساوى الدولة الواحدة في الدرجات التي تحققها في هذه المعايير، فقد تنجح في معيار وتفشل في اخر، لكننا نعتمد المعدل العام الذي تحققه الدولة لتحديد موقعها في السلم.

وقد انبرت منظمات دولية غير ربحية عدة الى قياس درجات الدول، ونشرها دوريا في مؤشرات مختلفة. وعلى رأس هذه المنظمات الامم المتحدة التي تصدر تقرير التنمية البشرية human development report، وقد شمل تقرير العام ٢٠٢٠ ما مجموعه ١٨٩ دولة، من بينها 20 دولة عربية.

وهناك مؤشر الديمقراطية الذي تصدره وحدة المعلومات في الايكونوميست البريطانية، ومؤشر الحرية الذي تصدره مؤسسة فريدم هاوس الاميركية. وهكذا.

ويستطيع اي مركز دراسات مقتدر اصدار مؤشرات لاي جانب من جوانب الدولة الحضارية الحديثة، ومن المفيد، بل الضروري لاي مجتمع ان يعرف موقع دولته في السلم الحضاري، لكي يكون بامكانه تشخيص نقاط الضعف ونقاط القوة في دولته بطريقة علمية غير خاضعة للانطباعات الشخصية او الاحكام المسبقة.

وبعد تشخيص هذه النقاط السلبية والايجابية بهذه الطريقة العلمية تستطيع قوى المجتمع المختلفة سواء كانت حكومية، او مؤسسات مجتمع مدني، ان تتقاسم الجهد المبذول لمعالجة النقاط السلبية. ويكون التنافس فيما بينها حول النجاح في هذه المعالجة وليس من اجل الامساك بالسلطة والفوز بمنافعها.

وقد اوضحت المؤشرات المختلفة ان العراق يقع في درجة متدنية جدا في السلم الحضاري حيث لم يحقق درجة نجاح في اي من المؤشرات المنشورة، الامر الذي يصح معه اعتبار العراق دولة متخلفة.

وتتحمل الطبقة السياسية (الحكومة، البرلمان، بقية اجهزة الدولة)، والاحزاب السياسية، وعامة المجتمع، كل على قدره، مسؤولية فشل الدولة العراقية. فالحكومات مصابة بمرض الفساد وعدم الكفاءة، والاحزاب تخوض صراعات بينية من اجل المكاسب، والمجتمع يعاني من تدني منسوب الوعي واللافعالية واليأس. ومعالجة الامر يتطلب اعلان الدولة الحضارية الحديثة هدفا اعلى للدولة والمجتمع يتعين تحقيقه خلال ربع القرن القادم، على ان تتكاتف حكومة صالحة، واحزاب مخلصة، ومجتمع واع، معا، من اجب تحقيق ذلك. وتوضع ستراتيجية على ثلاثة مستويات، العاجل والمتوسط وبعيد المدى لتحقيق ذلك. ويتم من خلال هذه الستراتيجية توظيف كل الموارد وادارتها بصورة سليمة منتجة للدولة الحضارية الحديثة. واكرر القول هنا ان المدرسة تلعب دورا كبيرا في التحول المجتمعي العام نحو الدولة الحضارية الحديثة، ولهذا يجب ان تحتل التربية موقعا مهما في الستراتيجية الحضارية. ويستوعب جهد التربية دورة دراسية كاملة تستغرق ١٢ الى ١٦ سنة في كل دورة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق