شهدتُ في حياتي انفصالين مهمين الاول هو انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة (مصر) في ٢٨ ايلول عام ١٩٦١ بانقلاب عسكري نفذه عدد من الضباط. والثاني، هو انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي في ٣١ كانون الاول من هذا العام (٢٠٢٠) تنفيذا لاستفتاء شعبي اجري في ٢٣ حزيران عام ٢٠١٦.

في عام ١٩٦١ كان عمري ١١ سنة فقط، ولم يكن بمقدوري ان افهم اية دلالات للانفصال السوري، اما الان، وقد أصبح عمري ٧٠ سنة، فقد صار بمقدوري فهم السلوك السياسي لمجتمع ودولة يحتلان موقعا متقدما في سلم الدولة الحضارية الحديثة، والسلوك السياسي لمجتمع ودولة يحتلان موقعا متأخرا في نفس السلم، الدولة الحضارية الحديثة دولة مؤسسات تعبر وتنفذ ارادة اغلبية الناس (وبتعبير ادق ارادة الناخبين) التي تعرف عن طريق الاستفتاء العام او الانتخابات، ولهذا حينما طرحت مسالة بقاء او خروج بريطانيا في الاتحاد الاوروبي على النقاش العام في سنة ٢٠١٥، اعلن رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون (المؤيد للبقاء) ان هذه الامر يحسمه استفتاء شعبي عام.

وهذا ما حصل، حيث اجري الاستفتاء في ٢٣ حزيران ٢٠١٦ ليأتي بنتيجة مخيبة لامال كاميرون، حيث اعلن ٥٢٪ من الناخبين الذين شاركوا في الاستفتاء رغبتهم في الانفصال، ماعدا ناخبي سكوتلاندا (تتمتع بحكم ذاتي مثل اقليم كردستان في العراق) الذين عبر ٦٢٪ منهم عن رغبتهم في البقاء. اثر ذلك استقال كاميرون، وخلفته تيريزا ماي التي استقالت هي الاخرى ليخلفها بوريس جونسون عرّاب الانسحاب.

لكن الانفصال لم يحصل فور اعلان نتائج الاستفتاء، لان الامور لا تجري هكذا في الدول الحضارية الحديثة؛ بل لابد من سياق مؤسساتي قانوني، يتضمن الدخول في مفاوضات طويلة وعسيرة بين الطرفين للوصول الى اتفاق deal حول كيفية الانسحاب والعلاقات بينهما بعد الانفصال. وهذا ما حصل، ولم يكن بالامكان التوصل الى هذا الاتفاق الا بعد مرور حوالي ٤ سنوات ونصف على الاستفتاء. علما انه يجب المصادقة على الاتفاق في المؤسسات التشريعية للطرفين. وهكذا يكون اتفاق الانفصال البريطاني (٢٠٠٠ صفحة ب ٢٤ لغة) عملا انجزه الناخبون، والمؤسسات التشريعية والتنفيذية، وفق صيغ قانونية محددة ومعرّفة للطرفين.

لم تجري الامور على هذا النسق والمنوال بين سوريا ومصر. فقد أعلنت الوحدة بينهما في ٢٨ شباط 1958 باتفاق الرئيسين السوري شكري القوتلي والمصري جمال عبد الناصر، لان الدولتين لم تكونا قد وصلتا الى المراتب العليا في سلم الدولة الحضارية الحديثة، فلا شعب يقرر خياراته عن طريق الناخبين، ولا سلطات تنفيذية وتشريعية تترجم هذه الخيارات الى قرارات من خلال نسق قانوني ومؤسساتي.

وعليه، فليس من المتوقع ان يكون انهاء هذه الوحدة عن طريق نسق قانوني مؤسساتي، انما يكفي ان يتفق عدد من الضباط على القيام بانقلاب عسكري ليغيروا مسار بلد باكمله، فيما الشعب يتلقى اخبار المسار الجديد من نشرات الاخبار في الاذاعة والتلفزيون. وهذا من الفروقات الاساسية بين الدولة الحضارية الحديثة، وبين الدولة غير الحضارية وغير الحديثة.

في العراق، جرت محاولة لاقامة دولة حضارية حديثة في النصف الاول من عمر الدولة، فيما سماه الباحث اللبناني غسان سلامة "اللحظة الليبرالية". كتب الدستور، وتشكلت مؤسسات، وانشئت احزاب، لكن الشروط الموضوعية في المجتمع العراقي، وقد تحدث عن بعضها الملك فيصل الاول والعالم الاجتماعي علي الوردي، لم تكن مواتية بما يكفي، فحدث التغيير العسكري في ١٤ تموز من عام ١٩٥٨ الذي الغى الملكية واعلن الجمهورية، لكن لم يكن مؤهلا للسير في الطريق المؤدي الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد ل لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق