لا يختلفان كثيرا الموظف وعمال البناء الذين يخرجون يوميا الى (المسطر) وهو المكان الذي يعرب فيه العاملين عن استعدادهم لقضاء أي من الأمور المتعلقة بالبناء وغيرها لقاء مبلغ يسد متطلباتهم واسرهم بشكل يومي.

وجه التشابه بين الاثنين جاء نتيجة تأخير تسليم الرواتب من قبل الحكومة الحالية، وصار الجميع يبحثون عمن يقرضهم مبلغ بسيط لقضاء يومهم وتوفير احتياجاتهم الضرورية وليس الكمالية، ففي هذه الظروف اصبح لا فرق بين من يتقاضى مرتبا شهريا مع من يمتهن احدى المهن الصناعية او التجارية.

هذا الانهيار متوقعا بصورة كبيرة فمن غير المنطقي ان يعتمد اقتصاد دولة بصورة شبه كاملة على رافد واحد وهو النفط، فغالبا ما تتميز الأسعار بالتقلب وعدم الاستقرار، ما يولد اقتصاد متأرجح لا يمكن الاعتماد عليه في بناء دولة قائمة على التخطيط الاقتصادي السليم.

وقد اكدت وقوع الكارثة المستقبلية مؤسسة كارينغي البحثية في تقريرها الدولي الذي أصدرته مؤخرا، اذ أوضحت فيه المستقبل الاقتصادي للعراق في الأمد القريب، فالتقرير كشف الحقائق التي يمر بها الاقتصاد، والعجز المالي الذي تعاني منه اغلب المؤسسات الحكومية، والناتجة عن السياسات الخاطئة التي انتهجتها السلطة العراقية مع غياب التخطيط الاستراتيجي لتجنيب البلد الوقوع بمثل هذا المأزق.

طوال السنوات الماضية والعراق يفتقد لسياسية اقتصادية تكون فعالة وقادرة على تحسين التردي الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل بالشكل الذي يجعل الاقتصاد تنمويا، قائم على الاستثمار الأجنبي والمحلي، وتشغيل الايدي العاملة لملايين العاطلين عن العمل.

وتشير المؤشرات المالية الحالية الى ان مجموع الإيرادات الشهرية التي تدخل للحكومة العراقية، لا تتمكن من تغطية نصف الاحتياجات المالية والانفاق الحكومي على الجوانب التشغيلية بضمنها رواتب الموظفين وغيرها من أبواب الصرف اللازمة، ناهيك عن تأخر إقرار الموازنة العامة للعام 2020، وهذا السبب القى بضلاله على عدم إعطاء المستحقات بوقتها المحدد.

عدم إقرار الموازنة العامة نتيجة الاضطرابات التي منيت بها العملية السياسية اجبر الحكومة الحالية على التوجه للاستدانة الداخلية، من البنك المركزي وغيره من المصارف المحلية، ما حدث لم يكن بمحض الصدفة ولا يخضع لقانون القضاء والقدر، بل جاء نتيجة امتزاج عوامل متعددة واخذت بالتراكم طوال الأعوام الماضية، الى حين وصلنا لهذه النتيجة المخيفة.

الأوضاع الراهنة توضح مسألة قد تكون غائبة عن بعض المراقبين او المواطنين على حد سواء، وهي عدم امتلاك الحكومات العراقية السابقة أي رؤية تتعلق بالجانب الاقتصادي، وجعل جميع المتعاقبين على السلطة يغرفون من العائدات النفطية دون الشعور بالمسؤولية وتحمل الأعباء، للحيلولة دون الوقوع في فخ المديونية والفوائد المترتبة على هذه القروض الكبيرة.

فالايرادات التي جنتها الحكومة العراقية عن طريق بيع النفط الخام وصلت الى 6.5 مليار دولار شهريا طوال عام 2019، يضاف إلى ذلك اكثر من مليار دولار من العوائد الشهرية غير النفطية المتمثلة بإيرادات المنافذ الحدودية وغيرها، الأمر الذي كان يوصل ميزانية الدولة العامة إلى قرابة مئة مليار دولار، وهذه المبالغ تغطي الحاجة المالية الفعلية للدولة.

من قلب الموازين هو تغيير أسعار النفط، الى جانب تراجع كمية الإنتاج بسبب اتفاقية مجموعة أوبك بسبب تفاقم وباء كورنا، خفضا تلك العوائد إلى النصف تماما؛ مما فاقم الازمة وأدخل الحكومة العراقية في هذا المستوى من العجز المالي.

تعود جذور الازمة المالية الحالية لسبب رئيس آخر وهو كثرة الموظفين في القطاع الحكومي، اذ فاقت اعدادهم السبعة مليون موظف في قطاعات مختلفة، وصار الجميع يرى في الوظيفة الحكومية المنقذ من الفاقة، بينما هي ليس بهذا الشكل، لوكان هنالك قطاع خاص يعمل وفق أنظمة وقوانين منظمة تضمن للعاملين حقوقهم وتمنع صاحب المصنع او المعمل المعين من التحكم في مصير هؤلاء الأشخاص.

عامل وهو الموظفون في دوائر الدولة ونتيجة لتنامي اعدادهم اصبحوا يستهلكون أكثر من ثلاثة أرباع العائدات المالية، متوزعة على شكل رواتب وميزانيات تشغيلية، في حين يبقى الحقل المخصص للجانب الاستثماري معطل وفارغا بصورة تامة.

ليس من المنطق ان يتم تجاهل هذه المسألة بالتمام، واهمال تخصيص مبالغ من اجل تفعيل الجانب الاستثماري وتطوير البنى التحتية، الى جانب قطاعات التعليم والصحة التي اخذت بالتراجع بصورة كبيرة، فقد أصبحت هذه المسألة بمثابة النهج الذي تسير عليه الحكومات المتعاقبة.

ومن الأخطاء الجسيمة الاخرى التي وقعت بها الأحزاب التي حكمت العراق منذ عام 2003 لغاية الآن هو استثمار ملف التوظيف الحكومي لصالح مصالحها السياسية، وبذلك عمدت الى تعيين جيوش من العاطلين عن العمل سواء من لديهم الخبرة في اختصاصاتهم ام من هم دون ذلك، ليصبحوا داعمين لهم في العمليات الانتخابية وضمان عدم ذهاب أصواتهم نحو هذه الجهة او تلك.

مما حدث ويحدث بالوقت الحالي يمكن الوصول الى نتيجة تؤكد ان الذي أصاب الاقتصاد العراقي هو ناتج من الأخطاء السياسية التي ارتكبتها الجهات المسؤولة عن الملفات المالية في الحكومات المتعاقبة، فالنتيجة الحالية لها جذور ومسببات سياسية بحتة.

بعد الصدمة التي تعرض لها الاقتصاد العراقي والهزة الكبيرة التي واجهتها الحكومة الحالية، لم يعد هنالك أي عذر او مجال للمماطلة بعدم وضع السياسات والحلول الناجعة، فلا يمكن ان تُدار السياسة المالية للبلد بطريقة الاقتراض، وهذه الطريقة ستجعل من العراق بلدا مفلسا في حال اطال المسير بهذا الاتجاه، فالبنك المركزي يلوح بنقص حاد بدأ يُصيب المخزون المالي وفي حال نفد ذلك المخزون ستدق نواقيس الخطر وحينها لن ينفع عض النواجذ.

انقر لاضافة تعليق