يبدو ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب اتخذ القرار النهائي بخصوص عمله المستقبلي، وأنه سيزاول مهنة المحاماة، في حال فشل بالوصول الى كرسي الرئاسة بالانتخابات التي ستشهدها الولايات المتحدة الايام القليلة القادمة.

فالتصريح الأخير الذي ادلى به ترامب والمتعلق بقضية سد النهضة يوحي بذلك، كونه شديد اللهجة واعطى انطباع لدى المجتمع الدولي انه يقف الى جانب مصر بصورة واضحة.

المفاوضات على سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان عادت الى الواجهة من جديد بعدما فشلت الجولة السابقة، ذلك بعد ايام من الجدل الذي اثارته تصريحات الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي حمل إثيوبيا مسؤولية تعثر المفاوضات، وتحدث عن ضرورة الوصول الى اتفاق مقبول من جميع الأطراف.

حكومة إثيوبيا المتهمة بإفشال جميع المساعي، لانجاح المفوضات التي جاءت بوساطة أمريكية، صعدت من حدة نبرتها واتهمت امريكا بالتحريض على وأد السد، وأبدت اعتراضا كبيرا على هذا الموقف الذي قد يشعل حرب بين اديس ابابا والقاهرة، ويصب الزيت على النار.

التهديدات المصرية الاخيرة تشي بشيء جديد، وتوضح مستوى جديد من مستويات المواجهة بين الجانبين، وهو ما يعني ان مصر لا تقبل فقط بالخيارات الدبلوماسية ومن الممكن اللجوء الى التدخل العسكري في حال تطلب الأمر.

فالتصريحات الأمريكية استطاعت ان تحرك المياه الراكدة في الاتحاد الأفريقي الذي اصبح المسؤول من الناحية القانونية عن الوضع القائم، فلا بد من اللجوء الى حل يراعي المصالح المشتركة للطرفين عبر مراعاة التفاوض والحوار البناء.

الدور الامريكي في هذه المسألة مهم للغاية، فهو ابعد من ان يكون محركا للمياه، بل كان صادما للرأي العام العالمي، وكذلك الداخلي، فقد تمكن الاتصال الذي أجراه ترامب بثورة علنية من إيصال رسالة قوية اللهجة، تنبأ بان هنالك نية لدى اصحاب القرار في القاهرة على نسف السد اذا استمر الجانب الإثيوبي بالتعنت، وقت تكون هذه الخطوة آخر المطاف، اي ان الامور ستتجه نحو الصدام العسكري ان لم تقتنع إثيوبيا في الحلول المقترحة، مايعطي لمصر حق الدفاع عن الوجود.

يحق لمصر ان تذهب لمثل هذه الخيارات، كونها دولة المصب وفي حال تمنعت إثيوبيا عن إطلاق كميات المياه الكافية لديمومة الزراعة المصرية التي تعد عصب الحياة في البلد، ستحل كارثة حقيقية في الداخل المصري، وهنا لابد ان يقدم احد الطرفين بعض التنازلات وصولا لافضل حل يتناسب مع حجم المشكلة وخطورتها.

لو عدنا مجددا وقمنا بتفكيك نص التصريح وابعاده، يمكن ان يكون بمثابة المكافئة الأمريكية لحكومة السودان على خلفية قبولها بالتطبيق مع الحكومة الاسرائيلية، الى جانب ذلك إعطاء إشارة من قبل حكومة البيت الأبيض لحكومة الخرطوم بان تغيير سياسة التعامل مع مصر بعد التطبيع.

هذه التغييرات تريد تحقيقها الولايات المتحدة كونها تتعلق بمسألة الأمن القومي للامة العربية التي تعاني من تقلبات حادة في الجوانب الأمنية، نتيجة الحروب التي نشبت فيها منذ عقود بدفع دولي وعوامل تأثير خارجية.

يشغل صناع السياسة في مصر امر لا يقل أهمية عن الأمن القومي وهو الأمن المائي الذي يعد سبب رئيس من أسباب استتباب الأمن والاستقرار في ربوع الأقطار العربية، والعالم بصورة شاملة، فلا يمكن اي دولة ان تستقر من الناحية السياسة ما دام هنالك من يحاول اثارة القلق والتأثير على الهدوء النسبي الذي يعم الارجاء.

لو تحدثتا بواقعية اكثر فمن الصعب ان تقدم جمهورية مصر العربية على قصف السد حتى وان وصلت الى طريق مسدود مع الجانب الإثيوبي؛ كون هذه الخطوة ستكبدها خسائر فادحة، في الوقت الذي تشعر انها مقبلة على سنين عجاف بسبب قلة التخصيصات المائية، التي ستؤثر بشكل او بآخر على مصير الزراعة في البلد المعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة المحلية، التي توفر احتياجات اكثر من مئة مليون مواطن.

واضح ان مصر ستلعب على العامل الدولي وتكسبه لصالحها، وهذا يتوقف على مدى إقناعها الاتحاد الأوربي للوقف الى جانبها في معركتها المائية، فهي تلوح بالذهاب لمجلس الأمن، ولديها شعور بكسب ود الرأي العام العالمي، الناتج عن الدعم الامريكي المتزايد.

اغلب الدول الأوربية لديها مصالح تتقاطع مع الدول الثلاث ما يجعل امكانية الحرب بعيدة الحصول، وهو تعول عليه حكومة القاهرة، فهي تترقب ان يأتي الحل عن طريق المجتمع الدولي بعد ان اصبحت الأبواب اشبه بالمغلقة في وجه الدبلوماسية المصرية.

انقر لاضافة تعليق