للامانة العلمية، لابد ان اذكر انني استعير مصطلح "الاقلية المبدعة" من المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي (١٨٨٩-١٩٧٥) الذي ابتدعه في كتابه الكبير "دراسة للتاريخ"، وبغض النظر عما معنى ودلالة المصطلح عند توينبي، فاني اعني به تلك المجموعة من الافراد التي تميزت عن بقية الناس بوعي الواقع المعاش، ونقده، والانفصال الشعوري عنه، والتي تملك رؤية مستقبلية بديلة، تتجاوز مساوىء ومفاسد الحاضر.

ومن خصائص هذه الاقلية القدرة على انتاج الافكار وتوليد الحلول ورسم الخطط. ومن هنا جاء وصفها بالمبدعة، وهي اقلية لان عدد افرادها قليل بالنسبة لبقية افراد المجتمع. وعادة ما تحمل الاقلية المبدعة لواء التغيير والاصلاح في مجتمعها وتقود عملية اعادة البناء فيه. وذلك بشرط ان تكسب ثقة الجمهور العام في المجتمع، ذلك ان نجاح عملية التغيير والاصلاح والبناء مشروط بانخراط هذا الجمهور بالعملية والاندكاك بها.

وفي النظر الى حالة مجتمعنا العراقي الذي يعاني من خلل حاد في مركبه الحضاري والقيم الحافة به، قد يتساءل البعض: هل توجد اقلية مبدعة في العراق؟

وجوابي عن هذا السؤال: نعم. خلال السنوات الاربع الماضية، التي كثفت بها الدعوة الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة، تعرفت على الكثير من الاسماء العلمية البارزة والتي تملك خزينا معرفيا كبيرة وخبرة عملية عميقة في شؤون وقضايا بناء الدولة من جميع النواحي الدستورية والقانونية والثقافية والاقتصادية وغير ذلك. وبمقدوري ان اعدد مئات الاسماء من هؤلاء الذين يشكلون "اقلية مبدعة" ونخبة رائدة يمكنها ان تنضّج مشروع بناء الدولة الحضارية الحديثة برؤية ستراتيجية علمية، وتسطره في برنامج عمل مدروس يحقق المطلوب.

لكن هذه القائمة من المبدعين والعلماء والمفكرين تعاني من عدة امور تجعلها غير قادرة على العمل، ومن هذه الامور انها غير متحزبة، ولهذا السبب فهي مهمشة ومقصية عن المشهد الذي تسيطر عليه احزاب السلطة. كما ان هذه القائمة مشتتة ومتفرقة، فضلا عن ان جهودها ومساهماتها فردية، لا يمكن ان تحقق التغيير المنشود.

في ٢٠ كانون الاول من عام ٢٠١٩ قالت المرجعية الدينية الرشيدة:

"واذا تمّ إقرار قانون الانتخابات على الوجه المقبول يأتي الدور للنخب الفكرية والكفاءات الوطنية الراغبة في العمل السياسي لتنظم صفوفها وتعد برامجها للنهوض بالبلد وحلّ مشاكله المتفاقمة في إطار خطط عملية مدروسة، لكي تكون على إستعداد لعرضها على الناخبين في أوان الانتخابات، ويتم التثقيف على التنافس فيها لا على أساس الانتماءات المناطقية او العشائرية أو المذهبية للمرشحين بل بالنظر الى ما يتصفون به من كفاءة ومؤهلات وما لديهم من برامج قابلة للتطبيق للعبور بالبلد الى مستقبل أفضل".

وتوضح هذه الكلمات خارطة الطريق بالنسبة للاقلية المبدعة. فهي اولا تجعل الانتخابات وسيلة للتغيير والاستبدال. وفي هذا تاكيد لديمقراطية الدولة وحضاريتها. فالوسائل يجب ان تكون من جنس الاهداف، واذا كان الهدف هو الدولة الحضارية الحديثة، فيجب ان تكون الطرق المتبعة الى اقامتها حضاريةً حديثة.

هذا اولا، وثانيا، على الاقلية المبدعة ان تنظم صفوفها وتوحد جهودها في اطار انتخابي واحد يستوعب كل او معظم افرادها. وهنا يتحتم التحذير من تشتت الاقلية المبدعة على كيانات كثيرة تفرق كلمتها وتهدر طاقاتها.

وثالثا، على الاقلية المبدعة ان تعد برنامجا مستقبليا واضحا لبناء الدولة الحضارية الحديثة بعد الانتخابات، بما في ذلك وضع تفاصيل النظام التربوي الحضاري الحديث الذي يتم تطبيقه خلال السنوات ال ١٢ القادمة.

ورابعا، يتعين وضع خطة انتخابية علمية مدروسة تضمن فوز اكبر عدد من افراد الاقلية المبدعة ووصولهم الى مجلس النواب الجديد الذي سيقوم "والحكومة المنبثقة منه بالدور المطلوب منهما في إجراء الإصلاحات الضرورية للخلاص من تبعات الفساد والمحاصصة وغياب العدالة الاجتماعية"، كما قالت المرجعية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق