عندما نريد الكتابة في بعض الاحيان عن الأوضاع التي يمر بها العراق يصعب علينا اختيار الكلمات التي توصف الواقع المرير، وحينها نضطر للتلاعب ببعض المفردات اخفاءً لقساوة المشهد وما تعانيه مؤسسات الدولة من ترهل في اغلب مفاصلها.

وهذه المؤسسات كثيرا ما نجد من يطلق الشعارات الرنانة والألفاظ المزوقة لإستردادها ممن استولوا عليها منذ تغيير النظام ولغاية الآن، وكأن الذي يقدم على إدارة ملفات الدولة يعلم جيدا انها سُرقت بالكامل ولم يبقى منها الى الشيء البسيط، فجميع الحكومات الماضية وكذلك الحالية وبالتأكيد القادمة ستواظب على ترديد ذات الخطاب المتضمن استعادة الدولة.

ان استعادة المؤسسات الحكومية التي قبعت تحت سطوة الأحزاب لا يمن استرجاعها مالم تكن هنالك قيادة تتسم بالقوة والشجاعة للضرب بيد من حديد، اذ تعتبر هذه المهمة من اصعب المهام التي تواجه حكومة مصطفى الكاظمي التي لم تمض أربعة شهور على تشكيلها، فهي لا تزال في طور الاستعداد للمرحلة القادمة وما سيواجهها من مصدات قوية.

ان من اهم المعوقات التي تواجه الحكومة الحالية لاستعادة الدولة هو سيطرة قوى اللادولة وتمكنها من اتخاذ القرارات التي في اغلبها تصب بمصلحة الجهات التي وصلت الى سدة الحكم وتحاول البقاء اكبر قدر ممكن وهي ذاتها من يتلاعب بمصير القوى الأخرى وتحديد من يصل الى الحكم من عدمه.

ان استعادة الدولة له أوجه او تفسيرات عدة، فالمشتركين بالعملية السياسية عندما ينادون بهذا العنوان يسعون الى استعادة مكانة احزابهم التي كانو عليها قبل الانتفاضة الاخيرة من قبل الشباب الحالم بوطن يحصل فيه على حقوقه من فرص عمل وغيرها من الخدمات التي تشعره بانه مواطن ويجب ان يعيش حياة كريمة.

فهذه الطبقات السياسية تريد فرض كامل سيطرتها مجددا بعد ان تعرض الى نوع من التزعزع إبان الاحتجاجات الاخيرة، اذ لاتريد ان تبقى بهذه النظرة التي ينظر بها عامة الشعب لهم، فالجماهير تعتبرهم أساس الدمار والخراب الذي لحق بالعراق منذ تغيير النظام على يد قوات التحالف الى اليوم.

بينما على الطرف الآخر نجد المواطن له مقاصد مختلفة تماما عن التفسير الأول لمفهوم استعادة الدولة، فالمواطنين لا يزال تواقون لعراق يحكمه القانون وتخضع فيه جميع القرارات لسلطة الدولة المدنية، فلا يمكن للبلد ان يستقر مالم يتم فرض هيبة الدولة وتطبيق القانون على الجميع بدون تمييز.

وهذا الحلم او الطموح ربما يكون مستحيلا او يصعب تحقيقه في ظل التجاذبات الحاصلة في العملية السياسية التي تقوم على التوافق وليس على أساس الكفاءة والاستحقاق الانتخابي والتمثيل الحقيقي لجميع مكونات الشعب العراقي دون تفرقة بين طائفة وأخرى.

المهمة ليست بالبسيطة وارجاع الدولة المفقودة عمل جبار اذا استطاعت الحكومة الحالية من انجازه، اذ لابد من سلك احد الطريقين من اجل الوصول الى الغاية المنشودة، فالطريق الأول هو المواجهة المباشرة، دون الركون الى المهادنة والخضوع الى المساومات التي تحصل عادة بين الكتل السياسية في اغلب الاحيان.

اما الطريق الآخر وهو ما اتبعته الحكومة الحالية، وهو طريق المواجهة عبر وسائل الإعلام والخطابات الكلامية، التي تعطي انطباع للرأي العام انها جادة في تحقيق رغباتها المعطلة منذ سنين، وأحلامهم المسروقة من قبل ابناء جلدتهم الذين كانوا يتوسمون بهم خيرا لتحسين اوضاعهم المعيشية.

الاسلوب الأخير يبقى كالذي يسير في الوسط دون تحديد خطه بصورة صريحة؛ ذلك لعدم تكوين أعداء لها في المرحلة الحالية والقادمة، للاستفادة من الأصدقاء في خوض الانتخابات القادمة بتأثير وقوة اكبر من القوى السياسية المتواجدة في العملية السياسية.

تسعة اشهر متبقي من عمر حكومة الكاظمي والجميع يعقد الأمل عليها من اجل تقوية دعائم الدولة العراقية وإعادتها الى مكانتها القوية التي كانت عليها قبل اكثر من عقد من الزمن، فاذا نجح رئيس الحكومة بتحقيق هذه الغاية ستضاعف رصيده الشعبي وتسدد خطاه المستقبلية.

انقر لاضافة تعليق