اظهر استطلاع بسيط اجريته في صفحتي على الفيسبوك ان ٢٩٪ ممن شاركوا بالاستطلاع يفضلون حاكما مستبدا على الحكم الديمقراطي. وهذه نسبة غير مرعبة تماثل تقريبا نسبة المواطنين البريطانيين الذين يرغبون بإلغاء الملكية واعلان الجمهورية في بلادهم. ولكنها مع ذلك تعبر عن وجود شريحة من المواطنين لا بأس بحجمها العددي غير مؤمنة بالنظام الديمقراطي. ولهذا عدة اسباب لابد من اخذها بنظر الاعتبار من اجل فهم هذه الشريحة من المواطنين. لعل من ابرز هذه الاسباب هو الاداء السيء لحكومات متعاقبة تصف نفسها بانها ديمقراطية بعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام ٢٠٠٣.

فقد قدمت هذه الحكومات نموذجا سيئا لحكم يصفه الدستور بانه ديمقراطي، وهي ابعد ما تكون عن الديمقراطية. ويرتبط بهذا السبب بحقيقة ان محاولة اقامة نظام ديمقراطي في العراق لم تنجح حتى الان في تحقيق هذه الهدف لعدة اسباب منها عدم ايمان او عدم فهم الطبقة السياسية للديمقراطية، عدم ايمان او عدم فهم شرائح واسعة من المجتمع للديمقراطية، عيوب التأسيس الكثيرة، وغير ذلك من الاسباب والعوامل التي اجهضت التجربة الديمقراطية تدريجيا وانتهت بها الى نظام حكم اوليجارشي (تحكم عدد قليل من الافراد بعضهم غير منتخبين وبعضهم لا يحتلون مواقع رسمية في الدولة) يمكن فيه تسليم الرئاسات الثلاث الى اشخاص غير مؤهلين وغير منتخبين، وسط سكوت او رضا الشعب عن ذلك.

يقدم لنا التاريخ اكثر من حالة تبين ان الشعوب لا تستطيع ان تتحمل الى ما لا نهاية الحروب، والفقر، والبطالة، وغلاء الاسعار، وشح المواد الغذائية، وصعوبات الحياة، والكوارث الطبيعية الاخرى.

وتتوقع الشعوب من الطبقة السياسية ان تكون قادرة على معالجة الحالة غير المرضية والا فإنها اذا فشلت في ذلك فسوف تكون موضوع نقمة الشعب وغضبه وسبب ثورته على الطبقة السياسية الحاكمة.

وقدم لنا التاريخ حالة واحدة على الاقل ينطبق عليها الوصف السابق، الامر الذي جعل الشعب يطالب بحكم مستبد يكون قادرا على انفاذ البلاد والعباد.

وهذا ما حصل في روما الجمهورية التي تأسست في عام ٥٠٨ ق م واستمرت الى عام ٣٠ ق م. وشهدت الجمهورية الوليدة نضالا من اجل الديمقراطية استمر الى عام ٢٦٤ ق م. وهي ديمقراطية مشابهة لتلك التي نشأت في دول مدن وادي الرافدين، والتي اطلق عليها جون كين اسم ديمقراطية المجلس assembly democracy، او كما سماها جاكوبسون primitive democracy وهي اولى مراحل الديمقراطية في التاريخ، وعمادها الحكم عن طريق مجلس او مجلسين، يمثلان المحكومين.

وكان المجلس في روما يسمى مجلس العشرة هو الذي كان يمنح الحكام صلاحية وسلطة الحكم الى اخر ايام الجمهورية. كما طبقت الجمهورية نظام الاقتراع الفردي الشخصي المباشر. وكانوا يرون ان الحرية اساس الديمقراطية. لكن الفساد تسلل الى الجمهورية الرومانية وديمقراطيتها بعد فترة من قيامها واخذ مؤشرها بالتراجع اعتبارا من عام ١٤٥ ق م واستمر في التدهور لمدة ١٠٠ عام شهدت الكثير من الحروب الاهلية والثورات المحلية، الى ان آل الامر بالشعب الى السأم من الحرية والديمقراطية. بعد ان انحطت السياسة الرومانية الى الدرك الاسفل من الفساد والعنف، بما في ذلك شراء اصوات الناخبين. وسادت الفوضى، والاضطراب في جميع المجالات الزراعية والصناعية والمالية والتجارية.

في ظل هذه الاوضاع وللخروج من الازمة، منحت الطبقة السياسية ممثلة في مجلس الشيوخ سلطات مطلقة للقائد العسكري اوكتافيان عام ٣٠ ق م. وقبل الشعب هذا الحل "ذلك انه لم يعد حريصا على الحرية، مولعا بها، بل كان قد مل الفوضى وتاقت نفسه الى الامن والنظام وكان يرضى ان يحكمه اي انسان"، كما قال ديورانت.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق