يعد العمل التطوعي من الظواهر الاجتماعية القديمة-الحديثة، الذي تميز به عدد من المجتمعات، وهذا التمييز راجع إلى خصوصيات وأعراف كل مجتمع، وقد تختلف هذه الأعراف من مجتمع إلى آخر، ويبرز العمل التطوعي الإنساني عند العراقيين مع ظهور الأزمات الإنسانية وفي بعض المناسبات الدورية، كما أنها قد تبرز في حالات فردية قد لا تنحصر في إطار جغرافي محلي داخل البلد، وهذا ما يلاحظ في بعض الأعمال الإنسانية التي يقوم بها العراقيون أثناء سفرهم إلى بلدان أخرى، إذ يقدم الفرد العراقي هناك المساعدة على الأصعد المادية وأحيانا البدنية إذا ما تعرض شخصا ما إلى مساعدة أو حادثا معينا، أو حتى اعتداء في إطار ما يعرف بالأعراف المجتمعية الشعبية العراقية بـ(الفزعة).

وعلى سبيل الأعمال التطوعية الجماعية، تبرز هذه الظاهرة عند العراقيين في أوقات معينة، حينما يشعرون أن هناك مأزقا قد يحصل في حال تخلفهم عنه، وعلى سبيل الاستشهاد حول ظواهر العمل التطوعي، برز حديثا بعد وقوع حادثة جسر الأئمة المأساوية وهي الحادثة التي تتزامن من حيث التاريخ مع انتشار فيروس كورونا العالمي، وقد تسببت حادثة جسر الأئمة بسقوط عدد كبير من الضحايا والجرحى، أثر التدافع الذي حصل بفعل الخوف من التفجيرات الانتحارية بين الزائرين عندما أشاع شخصا ما أن هناك انتحاريين بين الجموع ينوون تفجير أنفسهم، شائعة سرعان ما انتشرت بين الجموع، إذ أن التفجيرات الإرهابية كانت تطال المواطنين كل يوم في بغداد وبعض المحافظات، وانبرى بعد الحادثة مباشرة أعداد كبيرة ومن مختلف المحافظات بالتبرعات المادية الطوعية لضحايا ومصابي الحادثة وهم بالمئات واستمرت لما يقارب أسبوعين.

وبرز العمل التطوعي التآخي في شاهد ثاني أثناء عملية تحرير مناطق غرب وشمال بغداد من دنس التنظيم داعش الإرهابي، حيث تبرع الكثير من الناس بالمال والمتطلبات اللوجستية للمقاتلين والعوائل هناك بعد تحريرها من سطوة تنظيم داعش الإرهابي.

وفي الشاهد الثالث العمل التطوعي الفردي والجماعي الذي يقدمه العراقيين في مناسبات دينية خاصة من كل عام ولعل أبرزها زيارة يوم العشرين من شهر الصفر المصادفة ذكرى مرور أربعين يوما على ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي وأهل بيته وأصحابه جمعيا، حيث يقوم العراقيون بالآلاف رجالا ونساءً وحتى من صغار السن بأشكال متعددة من العمل التطوعي في ما يعدونه خدمة الزائرين من داخل العراق وخارجة لمدة تصل أكثر من عشرين يوما طوال أربعة وعشرون ساعة، حيث تعطل الحياة العامة في أغلب محافظات الوسط والجنوب بفعل انتشار ما يعرف بـ(المواكب الحسينية) التطوعية التي يرعاها أهالي محليين، وهي لا تتلقى دعما رسميا بالمرة من قبل السلطات الحكومية، وهذا العمل يقدم في سبيل ما يعد خدمة للزائرين على أمل أن ينال القائمين عليها رضا الله وكسب عطف وشفاعة آل البيت يوم القيامة، إلى جانب اعتقادات اجتماعية ودينية أخرى منها الرزق في الأموال والأولاد، والبركة في الأموال والأبدان والأرواح.

والشاهد الرابع من الأعمال التطوعية نشاهده الآن بعد أن أصاب فيروس كورونا عدد من المدن العراقية أثر انتقاله لها من مدن انتشر فيها كالصين وإيران، ومن ثم انتشر في أغلب دول العالم، وكأجراء وقائي ملزم اتخذت السلطات العراقية بإجراء نستطيع أن نسميه بإجراء وقائي عالمي يقضي بعدم الخروج من المنازل أو البقاء في البيوت (STAY AT HOME) وترتب عليه فيما بعد فرض حالة عدم التجوال، وتداركاً لحالات إنسانية قد تحصل للعوائل ذات الدخل المالي المحدود، وهم فئة كبيرة من الشعب ممن يشكل لهم العمل مصادر للدخل اليومي.

نلاحظ أثر ذلك إنطلاق الدعوات الصادرة من المرجعيات الدينية وبعض القوى والشخصيات الوطنية وعموم أبناء الشعب العراقي إلى المشاركة في الأعمال التطوعية لإغاثة العوائل والبيوتات التي قد تضررت من جراء حال الإنذار الوقائية من فيروس كورونا، حيث دعا المرجع الديني السيد السيستاني في بيان صدر يوم 21/ آذار من هذا العام ما أسماهم: "أهل الخير من المتمكنين ماليا أن يساهموا في توفير الحاجات الأساسية للعوائل المتضررة من الأوضاع الراهنة ويمكنهم احتساب ما يدفعونه من الحقوق الشرعية"، كما دعا السيد السيستاني في البيان ممن تتوفر لديهم المواد الغذائية ونحوها بان يعرضوها للبيع ولا يرفعوا أسعارها بل ينبغي أن تكون مدعومة، ووجه في الوقت ذاته أصحاب المواكب الحسينية الذين وصفهم البيان كان لهم دورا مشرف في رفد المقاتلين الأبطال بكل ما يحتاجونه في أيام الحرب مع داعش، موجها بأن يستعيدوا نشاطهم باتجاه دعم أو إسناد العوائل المتضررة بالوقت الراهن، وأخيرا دعا السيد السيستاني إلى: "تشكيل مجاميع شبابية تعمل بالتنسيق في حركتهم مع الجهات الرسمية في ظل منع التجول الساري في معظم المناطق، ولا بد أن يأخذوا كافة الإجراءات الاحترازية لكي لا تنتقل العدوى إليهم لا سامح الله".

من جانبه دعا السيد محمد سعيد الحكيم في بيان له: "المواطنين في البلاد التي أصابها هذا الوباء الخطير إلى التكاتف والتعاون والتكافل كل في مجال عمله، مشيرا إلى أنه من الطبيعي أن تزداد في هذا الظرف حالة العوز والحاجة بين الناس لأن الكثير من العاملين قد ينقطع عن عمله ومصدر رزقه فعلى المسؤولين رعايتهم والاهتمام بهم والأمل بالخيرين الإنفاق في هذا الظرف العصيب، عادا ذلك من أعظم الصدقات.

كما أوصى المرجع السيد صادق الشيرازي، قضاء حوائج المحتاجين من المؤمنين والمؤمنات، نظراً للأوضاع الحالية الصعبة التي تمرّ على الكثير من العوائل في سبيل توفير ضروريات المعيشة ويواجهون الصعاب والمشاكل في هذا المجال، وأن يهبّوا في إعانتهم، وسيخلّدون في صفحات أعمالهم الفخر الكبير، عبر صبرهم وتحمّلهم وإعانتهم للمحتاجين والفقراء.

أما المرجع المدرسي في كلمته الأسبوعية في بداية ظهور انتشار فيروس كورنا، دعا إلى الإسراع نحو التراحم فيما بين الناس وضرورة التكاتف بينهم، داعيا الله أن يجعل روح التراحم والتكاتف السائدة سبباً للتغلب على هذا الفيروس في العراق.

وعلى أثر ذلك أقدمت العتبات المقدسة في كربلاء والنجف وكل الحوزات العلمية في العراق وكذلك مكاتب القوى السياسية والدينية كالتيار الصدري بعد دعوة مباشرة من زعيمه السيد مقتدى الصدر عن تسيير قوافل ومجموعات بشرية، تضم مواد غذائية وخضروات إلى عدد من المحافظات العراقية، تزامنا مع إعلان حظر التجوال في أغلب المحافظات العراقية كإجراء احترازي للوقاية من تفشي جائحة كورونا، فيما أقدمت قوى سياسية وشخصيات عشائرية ورياضية ومن شرائح أخرى إلى التبرع ببناء وتجهيز مستشفيات لاحتواء تداعيات تأثير الفيروس على المواطنين في بعض المحافظات العراقية كالعاصمة بغداد ومدينة النجف، ومدينة كربلاء.

يرافق ذلك تأييد وجدل كبيران على وسائل التواصل الاجتماعي عن مغزى وضرورة ذلك في الوقت الذي يشكل البعض من الناس على بعض القوى لاسيما تلك التي نشطت في حقبة المظاهرات الشعبية من عدم فاعلها التطوعي في حين يأخذ مؤيدي التيار الشعبي التطوعي جوانب مصادر هذه التبرعات كجزء من حملة التقليل منها أو تبرير عدم المشاركة في هذه الحمالات التطوعية.

مما تقدم، نستنتج من دراسة ظاهرة الأعمال التطوعية التي تعارفها العراقيون اجتماعيا طوال تاريخهم وحتى أزمة وباء كورونا إلى أن للأعراف الدينية أثرا كبيرا في النزوع نحو العمل التطوعي، لاسيما في بعض الأزمات والمخاطر خاصة تلك التي تحمل في بعض الوجوه ما يعدونه أبعادا إلهية وأخروية، في حين تشكل الأعراف الاجتماعية الناجمة عن الأعراف العشائرية التي يتميز بها العراق في كل محافظاته دوراً كبيراً في العمل التطوعي، حيث تترسخ في أعراف ومساني هذه الشعائر أعراف: إكرام الضيوف والنخوة ومساعدة المحتاج لاسيما في الحالات الطارئة بصورة تخرج من نطاقها المحدود إلى حالة عامة وأحيانا تصل إلى المبالغة، وهذه الأعراف وأن تميزت بها أغلب المجتمعات العربية وهي بالتأكيد أعراف عربية لكن العراقيين تفوقوا بها على إخوتهم وأبناء قوميتهم العرب ولعل الدلائل على ذلك ما أشرنا له في ما تقدم من هذه الورقة.

صحيح هي حوادث مرتبطة بواقع العراق لكنها تدلل على مدى هذه الظواهر ولم تأثر بهم مظاهر العولمة والحداثة فيما أثرت بغيرهم، وفي ذات السياق ومن باب آفاق العمل التطوعي مستقبلا، إن هذه الخصلة التي تميز بها أهل العراق بحكم الأعراف المشار إليها ستظل سارية بحكم المحددات الاجتماعية والقبلية والدينية لاسيما في أوقات الأزمات والمناسبات الاجتماعية والدينية ما لم تؤثر العوامل المادية وغير المادية التي ترفضها البيئات والمنظومات الأخرى التي فرضت نفسها على عوالم أخرى وانتهت هذه الأعراف والقيم مثلما أشرنا فيما مضى.

إذ أن لكل منظومة فكرية وفلسفية وسياسية لها قيمها وفلسفتها في تنظيم قيم وأعراف المجتمع فما نراه مثلا في النظم الاشتراكية والإسلامية تختلف عن ما نراها في النظم الرأسمالية، وبالتأكيد أن هذه الأخيرة سادتها قيم مختلفة عن قيم وفلسفة المنظومات الاشتراكية والإسلامية فهذا راجع إلى فلسفة هذه المنظومة (الرأسمالية) التي ترى أن قوة الدولة وسعادة المجتمع وتنظيم عوامله السياسية والاجتماعية والاقتصادية وربما حتى العسكرية يكون من خلال فلسفة هذا النظام، الذي هو الآخر تعاني فلسفته وقيمه وحتى نظامه كما تعاني الأنظمة الأخرى من متغيرات الحياة وقوانين الطبيعة الإلهية وتمظهرات هذه الإرادة، ومنها انتشار فيروس كورونا الذي ضرب العالم كله ولم تتمكن أي من الأنظمة المشار إليها من تجاوزه لحد الآن.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2020Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق