يبدو ان المشهد العراقي مستمر في عدم الاستقرار وديمومة ظهور المستجدات، فبينما الحوارات يرتفع صخبها في الكواليس السياسية، باشر الجيش الأمريكي بسحب قواته العسكرية من ثلاث قواعد في العراق البالغ مجموعها اثنتي عشر قاعدة موزعة في مدن مختلفة من البلاد، ويتطلع الجانب الأمريكي الى خفض عدد قواته في العراق وسط تصاعد حدة التوترات مع الحكومة العراقية التي لم تنجح الولايات المتحدة في إقناعها على الابتعاد ولو قليلا عن ايران.

الخروج الأمريكي من العراق بصورة نهائية يعد من القضايا المعقدة، ذلك لما ترتبط بها من جوانب عسكرية واقتصادية وسياسية وقانونية كثيرة، الحديث عن وجود مفاوضات بين الجانبين العراقي والأمريكي أصبح حاضرا في الأروقة الدولية، اذ اكد الطرفين على أهمية الوصول الى تسوية مرضية، تجنبا لمزيد من الخلافات، لاسيما وان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال في تغريدة له ان الولايات المتحدة ستعاقب العراق بعقوبات غير مسبوقة، فيما لم يتم التوصل لنقطة تلاقي للطرفين.

ما يعني ان ترامب يلوح بالتهديد والوعيد في حال الإخفاق وتعذر الوصول الى اتفاق مرض، نتيجة رفع سقف المطالب من قبل الحكومة العراقية، او إطالة قائمة الأمنيات التي من الصعب جدا تنفيذها من قبل امريكا، في ظل سياسية عدم الثبات التي ينتهجها الرئيس الجمهوري.

نحن الآن امام معادلتين الأولى تتعلق بالجانب السياسي، والأخرى بالوجود الأمريكي في الميدان، لنخوض أولا في البعد السياسي لاخلاء القوات الأمريكية بعض قواعدها، فان المتوقع انها تخطط لمرحلة مهمة من مراحل التعامل مع الوجود الإيراني بالعراق، فهي تريد ان تحصن نفسها بالكامل أولا وتجنب جنودها ومن ثم التفرغ للمهام الأخرى، عبر التأثير على الحكومة العراقية وإخضاعها لإرادتها.

أما الجانب الآخر وهو على الأرجح الجانب الأهم، اذ يعد السبب الرئيس من وراء عملية الانسحاب من القوات وهو مواجهة الضربات المتكررة من الفصائل الموالية لإيران، اذ نراها باشرت بنصب منظومة باتريوت الدفاعية المضادة للصواريخ تحسبا لتلقيها المزيد من الهجمات.

ان نصب تلك المنظومة في المناطق السنية والكردية يعطي مؤشرا واضحا على انها نصبت في مناطق غير رافضة للوجود الأمريكي في البلاد، ما يعني انها رسالة معلنة للقادة السياسيين الشيعة نصها ان امريكا لم تعد الصديق الوفي لكم، الصديق الذي وقف معكم للإطاحة بالنظام الدكتاتوري في عام 2003.

وهنا لابد من ان يدركون الساسة في الكتل الشيعية هذه الحقيقة، ويعملون على خلق نوع من التوازن بين الطرفين، فالابتعاد عن سياسية المحاور كلف العراق ثمن باهض، قد يكون أكثرها تكلفة هو الانعزال عن المجتمع الدولي الذي ينعم بالرضى الأمريكي.

وعلينا ان نتحدث بأكثر واقعية واقتراب من الحقيقة، فان من يعتقد تسليم القواعد التي بنتها امريكا الى القوات العراقية هو جزء من خطة شاملة تضعها الولايات الأمريكية للخروج من العراق فهو لا يفقه بعلم التحليل شيئا.

فامريكا التي انفقت ملايين الدولارات وقطعت آلاف الاميال لكي تحكم سيطرتها على واحد من اهم الدوا في المنطقة، سعيا منها لخلق حالة من التوازن فيما بينها وبين الغريمة ايران، فهل يعقل ان تقدم على هذا التصرف غير العقلاني؟، وهل ستترك الساحة مجددا للنفوذ الإيراني الذي قل بشكل او بآخر نتيجة الضغط الأمريكي على الجهات السياسية الموالية لإيران والمتنفذة بذات الوقت في المشهد العراقي.

في ذات المضمون وما يرافق ذلك الانسحاب من توقعات لردة فعل الفصائل الموالية لإيران، فقد يدفع هذا المتغير بايران الى تغيير قواعد اللعبة والذهاب لاعتماد أسلوب جديد اكثر نجاعة في ازعاج الوجود الأجنبي، فمن الممكن ان تطور او تجلب صواريخ لها القدرة على إيقاع الضحايا بين صفوف القوات الأجنبية.

وفي حال نجحت في ذلك فانها ستكون العدو الأكثر عنادا بالنسبة لأمريكا التي تحاول ان تخلق لها علاقات ودية مع الجميع ولم تستثني من ذلك حتى المجموعات الإرهابية ومثال ذلك حركة طالبان الباكستانية التي اجبرت الرئيس الأمريكي على الإذلال والجلوس معها على طاولة الحوار للوصول الى اتفاق يخدم عملية السلام المنشود.

نجاح حركة طالبان في التوصل الى مفاوضات ومن ثم اتفاقات مع الجانب الأمريكي قد يكون مثالا حيا او تجربة سليمة يمن لحكومة طهران استنساخها من اجل تحقيق مزيد من المكاسب لها، فهي اليوم تعاني من تضييق الخناق عليها من قبل امريكا، التي لم تتراجع عن الحاق الأذى بها وعلى مختلف الأصعدة.

أما اذا فشلت ايران في تنفيذ هذا السيناريو فانها ستكون اشبه بالجمل الذي ولد فأراً، امر يفسح المجال امام حكومة واشنطن لتوجيه ضربات موجعة لإيران عبر قطع أصابع التحكم لها في العراق، فمن الاحتمالات الواردة ان تضاعف من استهدافها لمقرات الفصائل التابعة لها، وقد تكون نهاية هذه الفصائل قريبة خصوصا وأنها خارجة عن اليافطة الرسمية ولم تندرج ضمن القوات الأمنية العراقية.

الانسحاب الأمريكي من بعض القواعد وضع الحكومة العراقية امام مزيد من الاحراج، فهي من جهة تتعامل مع الحليف الاستراتيجي الذي تربطها معه اتفاقية امنية ولم تتمكن من التراجع عنها واضعة بذلك مصلحة العراق نصب أعينها، ومن جهة اخرى لا تستطيع ان تدير ظهرها الى الجارة التي يعتبر إرضائها من العوامل الاساسية لاستقرار الأوضاع في العراق.

فماهو السبيل الذي بموجبه ينقذ الموقف السياسي العراقي ويمكنه من تخطي المحنة الحالية؟، لا سيما وأن البلاد تعيش حالة من عدم الاستقرار وتأجيج داخلي لم تشهده من قبل، ما يجعل الحكومة المقبلة تواجه تحديات كبيرة داخلية وخارجية لا يمكن تجاوزها الا بالحنكة الفائقة.

انقر لاضافة تعليق