تفكير واقعي

الناظر في الواقع الاجتماعي العالمي اليوم تبهره الوقائع، وتُحيِّره الأخبار، ويُبلبله الإعلام الكاذب الدَّجال لكثرة المعلومات الخاطئة، وندرة المعلومة الصحيحة رغم حاجة الجميع إليها لا سيما بعد أن غزت العالم هذه الكائنات المتناهية في الصِّغر فعرقلته، وأوقفته، وكادت أن تُسقطه، ولا ندري هل ستسقطه بفيروس آخر بالضربة القاضية أو لا؟

فالناظر إلى الشاشات –ونحن في زمن الصورة والشاشة كبيرة أو صغيرة– حيث هو محاصر في بيته، ومسجون في أهله، لا يستطيع الخروج لأبسط حاجاته، وإن خرج فإنه مكمَّم الوجه، مقفَّز اليدين، وأينما يذهب يرشونه بالمعقمات حتى قال أحدهم مازحاً: " تحولنا إلى صراصير وحشرات أينما تذهب يرشونك بالمبيدات"، نعم؛ فنحن في زمن "الكورونا" الفيروس القاتل الذي انطلق بلحظة لم تكن على بال أحد من ووهان الصينية، وراح يفتك في البشرية حتى لم تبقَ دولة لم يصلها هذا القاتل العجيب، والمجرم الغريب، أجارنا الله جميعاً منه.

واقع مأزوم والأكثر محروم

هذا واقعنا، وهو واقع مأزوم بكل معنى الكلمة، لأن الحياة يجب أن تستمر، ومتطلباتها في غاية الكثرة والتعقيد، ولا يمكن للناس أن يجلسوا في بيوتهم دون السعي وطلب العيش، فما السبيل وأين الحل في هذه المعضلة، فهناك الكثير وربما المليارات؛ اليوم الذي تعمل فيه تأكل، والذي لا تعمل فيه تبقى جائعة، فإلى متى يصبر هو وعياله على الجوع؟ هذا سؤال يُحيِّر الجميع فالجوع لا يُطاق، فهو العَن وأفتك من كل الفيروسات، ولم تستطع الحضارة القضاء على الجوع كما كان يسعى أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الإمام علي بن أبي طالب (ع) فلا علي لنا اليوم.

لا سيما في عصر الحضارة الرقمية زادت الأعداد والنفوس الطالبة للقمة العيش، فسكان الأرض فاقت السبعة مليارات، ولكل حقه ونصيبه من خيراتها ورزقه الذي يسوقه الله إليه، فأين الخلل هل هو نقص في المواد، أو في التوزيع، كيف ونحن نرى بعض الشخاص يحوزون على نصف الإنتاج المالي العالمية، فبعض الأشخاص تُقدر ثروته بالمليارات، ومليارات لا يشبعون، وجاء هذا البلاء (الكورونا) فكيف السبيل للعيش على هذه الكرة الرضية؟

جشع الغرب وقادته

يُقال –والعهدة على القائل–: أن هذه الأزمة هي مصطنعة، وهذا الفيروس مصنَّع في مختبرات خاصة بالجيش الأمريكي، ثم الصيني، من طبيب ألماني، وسكوت وتخطيط بريطاني ورضا فرنسي وأوربي على مستوى القادة والسياسيين، وذلك بهدف التخفيف من عدد السكان لديهم لتوفير الأموال التقاعدية، والضمان الصحي، والتكاليف الكبيرة لأكثر من 60% من سكانهم، لأن هذا الفيروس يقتل الكبار في السن فوق 65 سنة ومَنْ لديهم أمراض مزمنة، ولذا تراهم لا يستقبلونهم في المشافي، وإذا استقبلوهم ينزعون عنهم أجهزة التنفس ويضعونها للأصغر سناً.

يقول تقرير عالمي: (يتوقع ديموغرافيون أنه بحلول عام 2050، سيكون عدد الأشخاص البالغة أعمارهم 60 عامًا أكبر من عدد الأطفال في العالم، وهو تحول فريد لم تشهده البشرية من قبل، وسيُشكل عدد كبار السن في تلك السنة ربع سكان العالم على الأقل (2.1 مليار نسمة)، وإذا سارت المعدلات كما هي، فمن المتوقع أن يبلغ عدد كبار السن نحو 3.2 مليارات نسمة عام 2100، أي نحو 28.5 في المائة من عدد سكان البشرية المتوقع أن يلامس 11.2 مليار.

لماذا القلق؟

ولو سألتهم أين المشكلة في ذلك؟ أجابوا: "ينظر كثيرون بقلق إلى هذه التغيرات الجذرية في التركيبة السكانية عالميًّا، وتُحاول دول عدة تبنِّي سياسات واستراتيجيات للاستجابة لهذه التحولات الديموغرافية العميقة، وآثارها الممتدة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا، فارتفاع نسبة كبار السن على ما عداها من فئات سكانية يعني أن هذه الدولة أو تلك دخلت في مرحلة «شيخوخة المجتمع»، ما يعني بالضرورة «انخفاض عدد السكان في العمر الإنتاجي».

ومن شأن هذه التحولات الديموغرافية أن تؤدي إلى اضطراب كبير على عدة أصعدة، خاصة في دول ومناطق تمثل ركيزة لاستقرار الاقتصاد العالمي، كاليابان وألمانيا والصين والمكسيك، فلهذه التحولات آثار لا تخطئها عين على النمو الاقتصادي العالمي، وعلى الأداء الاقتصادي للدول الغنية والدول النامية على السواء.

وتشمل الآثار المباشرة وغير المباشرة لـ«شيخوخة المجتمع» ارتفاعًا مطردًا في المخصصات المالية الموجهة للنظام الصحي لكبار السن (تأسيس مستشفيات، ومراكز رعاية، وتوظيف أطباء، وأطقم تمريض، وإنفاق على بحث علمي... إلخ)، كما تشمل ضخ مَبالغ مالية لدعم منظومات الرعاية الاجتماعية المخصصة لرعاية كبار السن).

إلى أن يقول التقرير: "لقد زاد هذا المتوسط عالميًّا ثلاث سنوات في الفترة من عام 2010 حتى 2015، فأصبح 70 عامًا بعد أن كان 67 عامًا، وعدا إفريقيا، لا يتفاوت نصيب مناطق العالم من ارتفاع «متوسط العمر المتوقع» تفاوتًا كبيرًا، إذ يبلغ أقصاه في أمريكا الشمالية عند 79 عامًا، ثم القارة الأوروبية عند 77 عامًا، وأمريكا اللاتينية 75 عامًا، والمتوسط يدور حول 72 عامًا في آسيا التي تحتضن نحو 60 في المائة من سكان العالم (4.4 مليارات من إجمالي 7.4 مليارات بتقديرات 2016).

وفي هذا السياق، تتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع عدد كبار السن ممَن يبلغون 80 عامًا فأكثر إلى 434 مليونًا بحلول عام 2050، أي أن عددهم سيتضاعف ثلاث مرات خلال خمسة وثلاثين عامًا (عددهم في 2015 نحو 125 مليون نسمة)، وعلى المنوال نفسه، تتشابه حظوظ المناطق في النسب المرتفعة لكبار السن (عدا إفريقيا)، فبحسب الأمم المتحدة، من المتوقع أن يزيد عدد كبار السن في العالم بنسبة 56 في المائة في الفترة من 2015 حتى 2030.

آثار جيواستراتيجية

وبالنتيجة: "بحلول عام 2035، سيبلغ سكان القارة الأوروبية ذروته (عند نحو 730 مليون)، ثم يبدأ لأول مرة في الانخفاض، وتقول تقديرات الأمم المتحدة: إن أوروبا ستفقد 100 مليون نسمة من سكانها في الخمسين سنة المقبلة، وستنخفض في عام 2060 نسبة السكان في سن العمل من 67 في المائة إلى 56 في المائة، فيما سيشكل كبار السن أكثر من ثلث المجتمعات الأوروبية في عام 2050).

وبعد استطراد بلغة الأرقام يصل الباحث إلى أن هناك سببان عمومًا لتفسير زيادة أعداد كبار السن يومًا بعد يوم.

السبب الأول: هو قلَّة معدلات الإنجاب، أو انخفاض معدلات الخصوبة الكلية في العالم.

السبب الثاني: التطور والتقدم الصحي الكبير في العالم، وارتفاع «متوسط العمر المتوقع».

فالمشكلة هنا وأنتم شخَّصتم العلَّة العالمية، والحل هو بحل المشكلة لا بقتل الناس وإبادتهم بأمراض وأوبئة وفايروسات قاتلة أيها المجرمون القتلة، والحل جداً بسيط وكلنا نعرفه ونتمناه ونسعى إليه لأن الجميع يسعى ويتمنى أن يطول عمره في هذه الحياة لينعم فيها بأولاده ويحظى برعاية أحفاده وتكريمهم له لا طردهم له من بيته، أو رميه في الشوارع يتكفف الناس.

كل الحلول في تشريع السماء

الحل يكمن بتزويج الشباب في سن مبكرة من فتيات وصبايا أيضاً وتشجيعهم على التكاثر والتناسل وتأمين العيش الكريم لهم ودعمهم بالمساكن والوظائف والمال اللازم للعيش الكريم وبذلك يزداد جيل الإنتاج أكثر، ويحتفظ الأولاد بآبائهم وأمهاتهم ويكونوا في رعايتهم وبيوتهم مع الدعم المالي والصحي اللازم وعند الضرورة، وعلينا تقوية الروابط الأسرية التي أعدمتها الحضارة المادية بين البشر، فالعودة إلى حضن الأسرة الدافئ هو حل لكل المشاكل التي تعاني منها البشرية في عصر الحضارة الرقمية.

فالحل ليس مستحيلاً ولا مستعصياً أبداً، لكن المقاييس والقيم التي فقدها الإنسان الحضاري، والتقني، والتقدمي، الذي ينظر إلى كل شيء بمقياس المادة، والربح المادي فقط وذلك الجشع الغريب على المال، والطمع العجيب لجمعه وتراكمه وما هو إلا أرقام وأصفار في البنوك، فالفرق بيني وبين بيل جيتس –مثلاً- أصفار فقط فكلانا يملك (1) ولكن هو يملك إلى يمينه عشرين صفر زيادة ولكن القيمة الحقيقية للواحد (1) وما تبقى كلها اعتباريات وفي أي لحظة يُعلن البنك إفلاسه تذهب الاصفار ولن يفيد عددها زاد أو نقص.

المشكلة الحقيقية الحضارية

المشكلة الحقيقية والواقعية في العالم اليوم وفي ظل العولمة والحضارة الرقمية هي فقدان القيم فيها، وفقدان أهم شيء فيها وهو فقدان قيمة الإنسان، وفقدان إنسانية الإنسان الحضاري فصار يُنظر له كبُرغي في ماكينة الحضارة، عفواً في روبوت الحضارة، علماً أن البرغي هو نفسه ولكن تختلف قيمته فأحياناً تضعه في عربة خشبية، واحياناً تضعه في مركبة فضائية، وهكذا تحوَّل الإنسان إلى شيء يخدم الحضارة بدل أن تتحوَّل الحضارة إلى أشياء تخدم الإنسان في هذه الحياة التي خلقها الباري تعالى لأجل الإنسان وليس لأجل المال والأرقام الفلكية في البنوك العالمية اليهودية.

وهنا أذكر في بداية القرن قرأتُ محاضرة نُشرت على شكل كتاب للإمام الراحل السيد العملاق المرجع الكبير، والمفكر القدير سلطان المؤلفين السيد محمد الشيرازي (قدس سره) عنوانه: (هل للشعوب قيمة؟)، استغربتُ يومها من طرحه بهذا الشكل وسالتُ نفسي هل هناك شك في قيمة الإنسان والشعوب في هذه الحياة؟

يقول السيد الراحل في كتابه: (إن الواقع أضخم من هذا العنوان لأن الحوادث والقضايا التي شهدناها ولمستها أغلب الشعوب كانت أكبر من أن نُعطي رأياً فيها، أو نجد لها مصطلحاً يتناسب مع ضخامتها في قاموس اللغة..)، فماذا تقول لو رأيتَ ما يجري اليوم سيدي؟

ثم يقول: (إن الدِّين الإسلامي الحنيف بالَغَ في احترام كيان الإنسان وشخصيته لدرجة التحذير والمنع من إرهاب الإنسان، أو تخويفه، أو الإساءة إلى كرامته..)، ثم يتساءل: (أما لتلك الأنهار من الدماء والدموع وهذه الكثرة من الإرهاب والرعب وتلكم الأموال التي تُهدر جزافاً من أجل الشهوات والملذات وما أشبه أليس لها تعويض أو ثمن؟) (هل للشعوب قيمة: ص 10)

ويبسط الحديث جنابه فيقول: (إن الإسلام بالغ في تقدير النفس الإنسانية لدرجة التحذير حتى من الاستفزاز، أو الإرهاب، ومَنْ أرعب إنساناً، أو أخافه عليه الدِيَة بقدر كما ورد في قصة الإمام علي (ع) حيث أرسله رسول الله (ص) لتدارك ما فعله خالد (في بني جزيمة)، حيث أعطى الدِية لخوفهم وفي حديث أن الإمام الصادق (ع): غَمَزَ يد أحد أصحابه (أي ضغطها بإصبعه)، ثم قال: (وفي هذا الدِية)، والمتتبع لكتب الفقه والحديث يجدها مليئة بأمثال ذلك..

هذا لأن الإسلام جعل الإنسان محوراً لكل الخليقة ولذا كرر سبحانه: (خلق لكم)، و(جعل لكم)، وما أشبه، كما يدلُّ على أن الكون مسخَّر لخدمة الإنسان بينما نجد أن المادية الغربية حتى القائلين بكونهم أهل الكتاب جعلوا المادية محوراً؛ نعم فيها شيء من الإنسانية ولكن بنسبة محدودة؛ (ولكن لأصحابها فقط والآن يتخلون عنها في زمن الكورونا).

وخير دليل على قولنا هو الاهتمام المفرط للغرب بالقومية والجغرافيا وما أشبه.. دون الاعتناء بماهية الإنسان وقدره وهل مَن يولد في قوم دون قوم أو في منطقة دون منطقة له اعتبار في هذا أو ذاك؟ في حين قال الرحمن: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)

وهنا أسئلة عديدة تطرح نفسها وفي مقدمتها: لماذا الأتقى هو الأكرم؟

والجواب هو: أن التقوى ترفع من هِمَّة الإنسان وأخلاقه وتقوِّم سلوكه ورغباته لذلك تكون جميع أعماله وتصرفاته نافعة لذاته أولاً، وللمجتمع ثانياً، ومن الواضح أن الأفضل ذاتاً، أو الأنفع للمجتمع أرفع وأسمى.. وإذا قيل: فكيف يكون الفرق بالدِّين؟

بالإجابة تكون: وذلك لأن المتدين قد أحرز راحة قلبه، ورضوان الخالق في الدنيا والآخرة بحُسن تفكيره وتصرفه، وأما غير المتدين فهو إنسان هامشي الفكر والتفكير وذلك بسوء اختياره). (هل للشعوب قيمة: ص 15)

هكذا يُجمل جناب الإمام الراحل المسألة: في أن القيمة الذاتية في الإنسان هي محور هذه الحياة لأن الخالق تعالى خلق الإنسان لأجله، ولجل طاعته، وعبادته، وخلق كل ما فيها لخدمته، وقد ورد في الحديث القدسي: (يا ابن آدم خلقتُ الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي) (الكافي، ج2، 294)

في القدسي أيضاً: (ابن آدم خلقتُ لك ما في السماوات والأرض من أجلك فلا تتعبْ، وخلقتك من أجلي فلا تلعبْ)، ولكن عالم اليوم وحضارته حوَّلت ذلك كله وقلبته رأساً على عقب، فصار لكل شيء قيمته المادية فقط، وبما يخدم الحضارة وطغاتها المجرمين، وجباريها من النماريد، والقوارين، والفراعين الذين فاق طغيانهم كل تصوُّر في هذا العصر.

وأتعجب كل العجب من أولئك الطغاة وهم يدعون إلى قتل المليارات من البشر بالسلاح الفتاك كالنووي وغيره، أو السلاح البيولوجي الذي قالوا: أنه الجيل الخامس من الحرب، بحيث يتخلصون من جميع كبار السن وهم جميعاً فوق ال (65) لا سيما كبيرهم الذي علمهم الكفر، ونقل لهم أفكار اليهود ومخططات الماسون العالمي بضرورة إبادة ثلثي العالم وملؤه بالفساد والقتل والدمار ليظهر المسيح اليهودي الموعود.. فلماذا لا يبدؤون بقتل أنفسهم وبعدها يدعون لقتل الآخرين، أو أنهم أصحاب المال والفكر الشيطاني ولا يشملهم؟

العالم بحاجة إليكم أيها المسلمون

العالم اليوم فعلاً يقف على حافة الهاوية ولن ينقذه إلا الفكر الإسلامي، وكتابه القرآن الحكيم، فعلى الأمة الإسلامية العودة إلى كتاب ربها، بصدق وإخلاص ونبذ التفرقة وكل أنواع الخصومات لا سيما السياسية والمصلحية فالسفينة تغرق وسيموت الجميع إلا ما رحم ربي، فلماذا لا نعمل على إنقاذها كلها والحل بيدنا، ودستور الخلاص بين أيدينا، والتشريعات الإسلامية الراقية في الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والحقوق، وكل ما تحتاجه الحياة هو عندكم وبين أيديكم فلا تغفلوا عن هذا وتُعرضوا عنه فإن العذاب إذا نزل سينال الجميع.

فالعالم اليوم بحاجة لفكركم، وكتابكم، ونهج نبيكم وأهل بيته الأطهار (ع) وهي فرصتكم فبادروا إلى العمل والجهد بكل ما تستطيعون إلى ذلك من سبيل، وقل اعملوا..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق