كما يبدو من الوباء الجديد انه يتطور ليشكل اختبارا حاسما وهائلا للعولمة. فمع التدهور الخطير في شبكات التجهيز، وفي مخزونات الدول من التجهيزات الطبية والاسراع لتقييد السفر، فان الأزمة تضغط لإعادة تقييم كبرى للاقتصاد العالمي المترابط. العولمة لم تسمح فقط للأمراض المعدية بالانتشار وانما هي سرّعت من الاعتماد المتبادل العميق بين الشركات والدول لدرجة جعلتهم اكثر حساسية للصدمات غير المتوقعة. حاليا، الشركات ومعها الدول اكتشفت حجم الهشاشة والحساسية التي هي فيها.

لكن الدروس من الفايرس الجديد هي ليس ان العولمة فشلت وانما هي هشة رغم الفوائد التي جاءت بها. منذ عقود، ادّت الجهود المتواصلة من جانب الشركات الفردية للحد من التكرارية غير الضرورية في العمل الامر الذي خلق ثروات غير مسبوقة. تلك الجهود قللت ايضا من كمية الموارد غير المستخدمة وهي ما يسميه الاقتصاديون "التباطؤ" slack في الاقتصاد العالمي ككل. في الاوقات العادية، الشركات عادة ترى التباطؤ كمقياس للكسل او حتى للهدر او سوء استعمال الطاقة الانتاجية. هذا التباطؤ وان كان قليلا سيجعل النظام الواسع هشا في اوقات الازمات، وسوف يعيق أنظمة الطوارئ المصممة ضد الفشل.

ان عدم وجود بدائل تصنيع طارئة يسبب انهيارا في سلسلة التجهيز مثلما حدث في القطاعات المتصلة بالطب والصحة نتيجة للوباء الجديد. المنتجون للتجهيزات الطبية الحيوية وجدوا أنفسهم امام طلب عالمي كاسح محفزا الشركات على التنافس مع بعضها على الموارد. محصلة ذلك كانت تحولا في ديناميكية القوة بين اقتصاديات العالم الرئيسية مقابل اولئك الذين هم مستعدون جيدا لمواجهة الفايرس الجديد اما بتخزين الموارد لأنفسهم او مساعدة من يفتقرون لها وبالتالي توسيع نفوذهم في المرحلة العالمية.

فاعلية هشة

الرأي الشائع حول العولمة هو انها خلقت سوقا عالميا مزدهرا، سمح للمصنّعين ببناء سلسلة تجهيز مرنة عبر استبدال مجهز او عنصر بمجهز او عنصر آخر عند الحاجة. اصبح كتاب "ثروة الامم" لأدم سمث ثروة للعالم عندما استفادت الشركات من تقسيم العمل المعولم. التخصص انتج اكبر فاعلية والتي بدورها قادت الى النمو.

لكن العولمة خلقت ايضا نظاما معقدا من الاعتماد المتبادل. فالشركات احتضنت سلاسل تجهيز عالمية، محفزة المزيد من شبكات الانتاج التي نسجت الاقتصاد العالمي الى بعضه. مركّبات سلعة معينة يمكن ان تُصنع الآن في عدة دول. هذا الاندفاع نحو التخصص احيانا خلق صعوبات في الاستبدال خاصة بالنسبة للمهارات او السلع غير العادية. ومع تحول الانتاج نحو العالمية، اصبحت الدول ايضا اكثر تمسكاً بالاعتمادية المتبادلة لأنه لا توجد دولة تستطيع السيطرة على جميع السلع والعناصر التي يحتاجها اقتصادها. الاقتصادات القومية انخرطت ضمن شبكة عالمية واسعة من المجهزين.

ان الوباء الناتج عن فايروس كورونا الجديد كشف عن هشاشة النظام المعولم. بعض القطاعات الاقتصادية خاصة القطاعات ذات الدرجة العالية من التكرار والنمطية والتي تمارس الانتاج عبر عدة دول قد تنجو من الكارثة نسبيا. دول اخرى قد تُدفع نحو الانهيار عندما يمنع الوباء مجهز منفرد في بلد منفرد من انتاج مركب حيوي واسع الاستعمال. فمثلا، صانعو السيارات في اوربا الغربية قلقون من نقص الالكترونيات الصغيرة لأن مصنّع واحد وهو MTA اُجبر على وقف الانتاج في احد مصانعه في ايطاليا.

في الاوقات المبكرة، بنى المصنّعون مخزونا من التجهيزات لحماية انفسهم في لحظات كهذه. ولكن في عصر العولمة، تلجأ العديد من الشركات الى المبدأ الشهير لـ (تم كوكس) مدير شركة آبل بان مواد الخام هي "شر اساسي". بدلا من ان تدفع الشركات الاجزاء الاحتياطية التي تحتاجها لصنع سلعة معينة الى المستودع، فهي تثق بسلسة التجهيز "في الوقت المطلوب" Just in time التي تعمل كما يشير له الاسم. ولكن في وسط الوباء العالمي أصبح نظام التسليم عند الطلب متأخر جدا. ونتيجة لمشاكل سلسلة التجهيز، هبط الانتاج العالمي للّابتوب بمقدار 50% في شهر شباط الماضي، وانتاج التلفونات الذكية قد يهبط بنسبة 12% في هذا الشهر. كلا السلعتين يتم تصنيعهما بمركّبات اُنتجت من قبل مصنّعين متخصصين اسيويين.

نقص حاد

اختناقات الانتاج كتلك التي حدثت في الصناعات الالكترونية هي ايضا تعيق الكفاح ضد الفايرس الجديد. التجهيزات الطبية الاساسية مثل اجهزة الفحص، التي هي عنصر اساسي في عمليات الاختبار التي تجريها المختبرات للكشف عن المادة الوراثية للفايرس هي اما تعمل ببطء او غير متوفرة في العديد من الدول. شركتان تسيطران على انتاج اجهزة الفحص الضرورية هما الشركة الهولندية Qiagen (مؤخرا تم شرائها من جانب الشركة الامريكية العملاقة) (Thermo Fisher Scientific) وشركة Roche Laboratories، التي مقرها في سويسرا. كلا الشركتين كانتا غير قادرتين لمجاراة الصعود الاستثنائي الحاد في الطلب على المنتجات. هذا النقص في السلع ادّى الى تأجيل انتاج اجهزة الفحص في الولايات المتحدة التي وجدت نفسها مضطرة للوقوف خلف الدول الاخرى بانتظار شراء المواد التي تحتاجها.

ومع انتشار الفايرس الجديد، خضعت بعض الحكومات لميولها. وحتى قبل ان يبدأ وباء كورونا، قام المصنّعون الصينيون بإنتاج نصف اقنعة العالم الطبية. هؤلاء المصنعون عجّلوا من الانتاج كنتيجة للأزمة، لكن الحكومة الصينية تمكنت وبكفاءة من شراء كل تجهيزات البلاد من الاقنعة وفي نفس الوقت استوردت كميات كبيرة من الاقنعة واجهزة التنفس من الخارج. كانت الصين في الحقيقة بحاجة لها، لكن نتيجة شرائها المفرط ذلك خلق ازمة معروض أعاق استجابة الدول الاخرى للوباء.

اما الدول الاوربية لم يكن سلوكها أفضل. روسيا وتركيا منعتا تصدير الاقنعة الطبية واجهزة التنفس. آلمانيا فعلت الشيء ذاته مع انها عضو في الاتحاد الاوربي والذي يُفترض ان يكون فيه سوق موحد وتجارة حرة بين دوله الاعضاء. الحكومة الفرنسية قامت ببساطة بالاستيلاء على كل ما متوفر من اقنعة. وهو ما جعل مسؤولي الاتحاد الاوربي يتذمرون من ان هكذا فعل يُضعف التضامن ويمنع الاتحاد الاوربي من تبنّي اتجاه مشترك لمواجهة الفايرس الجديد لكنهم ببساطة لم يستمع لهم احد.

هذه السياسات النفعية الضارة بالدول الاخرى قادت الى تعميق الازمة، حيث خنقت سلسلة التجهيز العالمية للسلع الطبية الملحّة. المشكلة كانت رهيبة للولايات المتحدة التي كانت متأخرة في تبنّي استجابة متماسكة للوباء فكانت تعاني من نقص في العديد من التجهيزات التي تحتاجها. كان لدى الولايات المتحدة مخزون من الاقنعة لكنها لم تقم بتعويض النقص في حركة المخزون منذ عام 2009 وهي لديها فقط نسبة من العدد المطلوب. ومن غير المدهش، ان مستشار ترامب للتجارة Peter Navarro استخدم هذا النقص وغيره لتهديد التحالف ولتبرير الانسحاب من التجارة العالمية مجادلا ان "الولايات المتحدة تحتاج الى سحب امكاناتها التصنيعية وسلسلة التجهيز للضروريات الطبية الى البلاد". وبالتالي، كانت المانيا قلقة من ان ادارة ترامب تسعى لشراء اللقاح الجديد الذي تقوم بتطويره شركة المانية لكي تستعمله في الولايات المتحدة. المانيا تدرس الان القيام بعمل معاكس حول اللقاح او منع الاجراء الامريكي.

تأثيرات الفايرس

بينما استخدمت ادارة ترامب الوباء للانسحاب من التكامل العالمي، استعملت الصين الازمة لتعرض رغبتها في القيادة. وباعتبارها اول دولة ضربها الفايرس الجديد، عانت الصين بشكل مؤلم في الثلاثة اشهر الاخيرة. لكنها الان بدأت تتعافى بينما بقية دول العالم تغرق في الوباء. هذا يثير مشكلة للمصنّعين الصينيين الذين يواصل بعضهم العمل مرة اخرى لكنهم يواجهون طلبا ضعيفا من الدول التي في الازمة. لكن هذا ايضا يعطي الصين فرصة كبيرة وقصيرة الاجل للتأثير على سلوك الدول الاخرى. ورغم الاخطاء المبكرة، لكن بكين تعلمت كيف تصارع الفايرس الجديد وتوفر مخزونا كافيا من التجهيزات. تلك كانت امكانات قيّمة وبكين استطاعت توظيفها بمهارة.

في بداية مارس، طلبت ايطاليا من دول الاتحاد الاوربي تزويدها بتجهيزات طبية طارئة لأن النقص الحاد أجبر اطبائها على إتخاذ قرارات مؤلمة حول اي المرضى يمكن علاجهم واي منهم يُترك ليموت. لا احد استجاب لها. لكن الصين استجابت فقدّمت وسائل التهوية والاقنعة والبدلات الواقية والمنظفات. وكما ذكر الخبيران الصينيان Rush Doshi و Julian Gewirtz ان بكين تسعى لتصف نفسها كقائد للعالم في صراعه ضد الوباء الجديد لكي تعزز النية الحسنة وتوسع نفوذها.

هذا بالطبع لا يلائم ادارة ترامب التي كانت بطيئة في مكافحة الوباء الجديد (حين اعتقدت ان منع المسافرين القادمين من اوربا هو أفضل دفاع ضد المرض الذي انتشر سلفا في اراضي الولايات المتحدة). ان لدى الولايات المتحدة القليل من الموارد التي يمكن ان تقدمها للدول الاخرى وهي بذلك لم تعد المجهز العالمي للخدمات العامة. ان ما جعل الوضع اسوأ هو ان الولايات المتحدة ستجد نفسها حالا تستلم إعانات من الصين: البليونير Jack Ma المؤسس لـمجموعة علي بابا الصينية، منح تبرعات بنصف مليون جهاز فحص ومليون قناع.

الجيوبولتيك الجديد للعولمة

مع محاولات صنّاع القرار في العالم مكافحة الفايرس الجديد، كان عليهم مواجهة حقيقة ان الاقتصاد المعولم لم يعمل مثلما ظنوا. العولمة تتطلب التخصص المتزايد في قوة العمل عبر الدول، وهو نموذج يخلق فاعلية استثنائية ولكن ايضا يخلق حساسية استثنائية. صدمات مثل وباء كورونا يكشف عن تلك الحساسية ونقاط الضعف. المجهزون لمورد واحد، او المناطق التي تتخصص في سلعة معينة، يمكن ان تخلق هشاشة غير متوقعة في وقت الأزمات، مسببة انهيار في سلسلة التجهيز. وفي الاشهر القادمة، ستتكشف العديد من هذه الحساسيات.

النتيجة من كل ذلك ستكون تحولا في السياسة العالمية. مع خطورة صحة وسلامة مواطنيها، ستقرر الدول غلق الصادرات او الاستيلاء على تجهيزات حيوية، حتى لو كان هذا يؤذي حلفائها وجيرانها. هذا الانسحاب من العالم سيجعل السخاء وسيلة فعالة ومؤثرة لدى الدول التي تستطيع تقديمه. حتى الان، لم تكن الولايات المتحدة قائدا في الاستجابة العالمية للوباء الجديد، وانها تخلّت على الاقل عن جزء من دورها للصين. هذا الوباء يعيد تشكيل جيبوليتكية العالم، لكن الولايات المتحدة لا تتكيف، بل انها مريضة وتختبئ تحت الأغطية.

.....................................
نقلا عن الشؤون الخارجية:
Will the coronavirus End Globalization as we know it?, Foreign Affairs, March 16 ,2020
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق