إذا توفرت الحرية والعدالة، توفرت عناصر العقد الاجتماعي الحقيقي، الذي يحافظ على الاستقرار ويعمق عوامل الأمن الشامل. فتتوفر كل العناصر المطلوبة لمفهوم المواطنة الحقة. فلا مواطنة بدون حرية وعدالة، فهما طريق خلق المواطن الصالح المدافع عن منجزات وطنه ومكتسباته، والمدافع عن ثغوره وحدوده، وهو الذي يكافح باستماتة من أجل عزة الوطن وتطويره. فالإنسان المقموع والمضطهد في وطنه، لا ينمو لديه حسن المواطنية بشكل إيجابي، وذلك لأنه باسم الوطن يضطهد ويقمع، وتحت علمه وشعاراته الوطنية تهان كرامته وتنتهك حقوقه. لذلك فإن طريق المواطنة هو الحرية وصيانة حقوق الإنسان والدفاع عن كرامته الإنسانية.

إن هذه القيم والمبادئ، هي التي تخلق عند الإنسان الحس الوطني الصادق. وبدون هذه القيم، تضيع المواطنية، وإذا ضاعت المواطنية ضاع الوطن. لذلك لا وطن عزيز بدون مواطنية عزيزة.

وإذا توفرت الحريات العامة، فهذا يعني توفر المناخ الملائم لتعبئة طاقات المجتمع، وبلورة كفاءات نخبته، وازدادت إبداعاته ومبادراته. وكل هذه الأمور من القضايا الحيوية لصناعة القوة في الوطن. ويخطأ من يتصور أن القهر والاستبداد والأساليب الأمنية المختلفة، هي القادرة على خلق المواطنية وحالة الولاء الصادق إلى الوطن.

إننا ومن خلال التجارب التاريخية العديدة، أن الحرية والشفافية وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هو الكفيل بتعميق حس المواطنة الصالحة. فشعب الولايات المتحدة الأمريكية، أتى من بيئات جغرافية متعددة، وأطر عقدية ومرجعيات فكرية وفلسفية متنوعة، ولكن الحرية بكل آلياتها ومجالاتها ومؤسساتها، وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هي التي صهرت كل هذه التنوعات في إطار أمة جديدة وشعب متميز.

فالحرية وحدها هي القادرة على خلق المواطنة الصالحة، وبدونها تتحول كل المشتركات عوامل للجمود والتخشب والبعد عن الحيوية والفعالية في كل مجالات الحياة. وإن المجال الإسلامي خلال العقود الماضية، دفع ثمن تهميش أقلياته وممارسة أقسى أشكال التمييز تجاه هذه الأقليات. حيث الحروب العبثية، التي أهدرت الكثير من الطاقات والثروات، والتدخلات الأجنبية السافرة في مصالح واستراتيجيات هذا المجال، حيث وجدت في سياسة التمييز والإقصاء الأرض الخصبة لإرباك الساحات الداخلية للعرب والمسلمين. والمحصلة النهائية لكل ذلك الشعور بالضياع وضمور الحس الوطني الصادق، والبحث الشره على المصالح الضيقة، حتى ولو كان ثمنها حرية الوطن واستقلاله.

ولا نعدو الصواب حين القول، أن جذر هذه الأزمة هو الاستبداد السياسي الذي يلتهم كل فعالية، ويقمع كل أمل وحيوية، ويزدري من كل تطلع وطموح.

فالاستبداد يدمر الأوطان ولا يحفظها، ويمتهن كرامة المواطنين، ويدوس على مقدساتهم وتطلعاتهم.

وحدها الديمقراطية التي تعيد الاعتبار إلى الذات والوطن، وتعيد صياغة العلاقة بينهما، فتنتج وعيا وطنيا صادقا، يحفز هذا الوعي على الدفاع عن عزة الوطن وكرامة المواطنين.

فالاستقرار السياسي والمجتمعي، يتطلب باستمرار تطوير نظام الشراكة والحرية على مختلف الصعد والمستويات، حتى يتسنى للجميع كل من موقعه خدمة الوطن وعزته.

والمواطنة التي نراها شرط إنجاز الحرية على الصعيد المجتمعي، ليست شعارا يرفع أو يدّون في الأنظمة الإدارية والإجرائية، بل هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، تدفع باتجاه تنمية مشاركة المواطن في قضايا وطنه المختلفة.. "ومن أجل تجسيد المواطنة في الواقع، على القانون أن يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع، على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوع بين الأفراد والجماعات. وعلى القانون أن يحمي وأن يعزز كرامة واستقلال واحترام الأفراد، وأن يقدم الضمانات القانونية لمنع أي تعديات على الحقوق المدنية والسياسية، وعليه أيضا ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الإنصاف. كما أن على القانون أن يمكن الأفراد من أن يشاركوا بفعالية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم، وأن يمكنهم من المشاركة الفعالة في عمليات اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون إليها" (ر راجع مجلة المستقبل العربي، العدد 264، ص 118).

فالمشاركة الواعية بدون استثناءات ووصايات في شؤون الأمة والوطن، وقدرة كل مواطن إلى الوصول بكفاءته إلى أعلى المناصب والمستويات بصرف النظر عن منبته ومذهبه وقوميته، هو الذي يثري مفهوم المواطنة، ويجعل إنجازه مرهونا إلى حد بعيد إلى الحرية والديمقراطية. فلا مواطنة حقة بدون ديمقراطية سياسية، تعطي لكل المواطنين حق المشاركة والتعبير والاجتماع والتنظيم والإدارة. فطريق المواطنة بكل متطلباتها وشروطها، يمر عبر الديمقراطية، فهي التي تحقق مفهوم المواطنة، وبدونها نبقى سديما بشريا لا يشترك في تقرير مصيره، ويمارس عليه كل أنواع التمييز والتهميش.

ولا شك أن أحد الأسباب الرئيسة لانهيار الوعي الوطني الصادق، هو عدم التعامل الجاد والديمقراطي مع مسألة الأقليات. إذ خضعت هذه المسألة للعديد من الاستقطابات السياسية المختلفة، وتم استخدامها كورقة في الصراعات السياسية، دون أن تنبري قوى نوعية للقيام بمبادرات سياسية جادة، تسعى نحو بلورة رؤية متكاملة وممكنة لهذه المسألة في المجالين العربي والإسلامي.

ولنا في التجربة النبوية في المدينة المنورة خير مثال ونموذج، إذ أن المواطنة التي شكلها رسول الله (ص) لم تلغ التعدديات والتنوعات، وإنما صاغ دستورا وقانونا يوضح نظام الحقوق والواجبات، ويحدد وظائف كل شريحة وفئة، ويؤكد على نظام التضامن والعيش المشترك. إذ جاء في صحيفة المدينة: " وإنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا، ولا يؤويه، وإنه من نصره وآواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم في شيء (فيه من شيء)، فإن مرده إلى الله وإلى محمد (الرسول) وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.. وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين: لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومواليهم، وأنفسهم، إلا من ظلم، أو أثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأهل بيته ".

فسبيل المواطنة الصادقة، ليس التوحيد القسري والقهري للناس، وإنما بالحرية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وكرامته، نخلق مواطنا صالحا وفاعلا وشاهدا.

ومواجهة تحديات الخارج المختلفة، لا تتم عبر قهر الناس ومصادرة حقوقهم وحرياتهم،وإنما على العكس من ذلك تماما. فمواجهة تحديات الخارج، تتطلب انبثاق قوة وحدوية وتوحيدية في داخل الوطن، تأخذ على عاتقها تجميع الطاقات وبلورة الاستراتيجيات، والاستفادة من كل القدرات والإمكانات. وهذه القوة الوحدوية، لا يمكن أن تبنى على قاعدة القهر ومصادرة الحقوق والحريات، وإنما على قاعدة صيانة الحقوق والكرامات، ومأسسة الحريات. إن هذه القاعدة الحضارية، هي التي تفشل كل عمليات ومحاولات الاختراق للجسم الوطني، وهي القادرة على إفشال كل الرهانات التي تسعى إلى تجزئتنا وتفتيتنا وانقسامنا.. "والديمقراطية بهذا المعنى هي تعظيم لقدرات المجتمع وتحصين له ضد الانفجارات الداخلية والاختراقات الخارجية.

روح الديمقراطية، مثل روح الفيدرالية، لا تكمن في الآليات الشكلية بقدر ما تكمن في معنى تعظيم المشاركة وتعظيم الاستفادة من قدرات كل التكوينات الاجتماعية–الاقتصادية، دون قهر أو استغلال من إحدى هذه التكوينات للتكوينات الأخرى. فليست الديمقراطية الليبرالية، مثلا، هي الشكل الأوحد أو الأنسب لكل الأقطار في كل الحالات. ولكن الأنسب والأمثل هو إتاحة الفرص المتكافئة لأبناء كل الجماعات الأثنية للمشاركة في إدارة مجتمعهم، وفي إنتاجه، وفي خدماته " (راجع سعد الدين إبراهيم، تأملات في مسألة الأقليات، ص 237).

والمجتمع الاستبعادي والمغلق، لا يمكن أن تنمو في محيطه قيم الديمقراطية والتسامح، وذلك لأنه يستند على نظام اجتماعي مغلق، يحارب كل محاولة نحو الانفتاح والتواصل، ويقف موقفا مضادا من كل عمليات إعادة بناء المجتمع على أسس ومعايير جديدة.. والحرية كوقائع وحقائق مجتمعية وسياسية، بحاجة إلى إرادة إنسانية واعية وحكيمة في آن. حتى تتمكن من تنزيل مجموع القيم والمبادئ على أو في الواقع الاجتماعي والثقافي..

فالحرية التي تنجز مفهوم المواطنة، هي تلك الحرية التي تنغرس في التربة الاجتماعية، وتصبح جزء أصيلا من النسيج الاجتماعي.. وعليه فإن المطلوب بشكل دائم، هو العمل على إنجاز مفهوم الحرية في الفضاء الاجتماعي والثقافي.. فلا نكتفي بإطلاق الشعارات واليافطات، وإنما من المهم العمل وفق السياقات المتاحة لتحويل مفهوم الحرية من الشعار المجرد إلى الواقع المجسد، ومن الوعد إلى الإنجاز، ومن القول إلى الفعل..

فالمواطنة كحقوق وواجبات، وكوعي ومسؤولية، هي وليد تاريخي لمفهوم الحرية حينما يتجسد في الواقع الاجتماعي بكل مستوياته ودوائره.. ولعل سبب الإخفاق الجوهري، الذي يصيبنا دوما في المجال العربي على هذا الصعيد، هو من جراء الفصل والانفصال بين مفهوم الحرية وواقعنا العام.. فجميع قوى المجتمع العربي وتعبيراته، تنادي ليل نهار بالحرية، وتختلف وتتصارع مع بعضها بفعل بعض المواقف النظرية والأيدلوجية المتعلقة بهذا المفهوم.

ولكننا على الصعيد العملي والواقعي، لا نجني من كل هذه الشعارات واليافطات والمقولات الأيدلوجية الجاهزة، إلا المزيد من الاستبداد وتقليص مساحات الحرية في الواقع العربي السياسي والثقافي والاجتماعي.. وهذه المفارقة العجائبية، ساهمت بشكل أو بآخر في عدم إنضاج السياقات الاجتماعية والثقافية التي تتعامل مع مفهوم الحرية بعيدا عن الأطر الأيدلوجية المغلقة والجاهزة.. فحينما نتعامل مع الحرية والحريات العامة، بوصفها سبيلنا الوحيد للدخول في حركة التاريخ والانخراط الفعلي في شؤون العصر، حينذاك ستتبلور الإرادة العربية التي تعمل بكل إمكاناتها وطاقتها، لإنجاز هذا المفهوم في الواقع العربي..

فالحرية هي شرط التقدم، وهي خيارنا لصياغة مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات في كل دولنا العربية، وهي سبيلنا لتعزيز جبهتنا الداخلية لمواجهة كل الصعاب والتحديات.. وحدها الحرية التي تعيد للعرب توازنهم التاريخي، وقدراتهم العملية والثقافية، التي تمكنهم من بناء عزتهم وقوتهم الحضارية..

لذلك فإن المطلوب، أن ننفتح على مساحات التنوع ونتواصل مع المختلفين من أجل استنبات مفاهيم وقيم جديدة، تزيد من فرص تقدمنا، وتحررنا من شبكة العجز والاستكانة، وتجعلنا نقتحم آفاقا جديدة، تحملنا على نسج علاقة جديدة مع مفاهيم الحرية والنقد والتواصل والوطن.. وعلى هدى هذه العلاقة الجديدة، وذات المضامين الحضارية والإنسانية، نخلق فضائنا النقدي، ونمارس تنوعنا وتعدديتنا، ونجسد حضورنا وشهودنا.

والنقد لا يعني بأي حال من الأحوال التفلت من القيم ومحاسن العادات والأعراف، وإنما يعني استخدام إرادتنا والتعامل مع راهننا بتحولاته وتطوراته بما ينسجم والمثل العليا والضمير والوجدان. فالنقد المنضبط بضوابط الحكمة والمصلحة العليا، من وسائل التطور والتقدم..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق