بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، قسمت ألمانيا إلى أربعة مناطق محتلة بحسب اتفاقية يالطة، كانت الدول المحتلة هي الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفييتي، والمملكة المتحدة وفرنسا، وكانت هذه الدول المتحكمة وتدير المناطق المحتلة من ألمانيا، وتبعا لذلك، قسمت العاصمة برلين إلى أربعة مناطق، وفي ذات الحقبة بدأت الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي الشرقي والغرب الرأسمالي، ومثّلت برلين مسرحا للمعارك الاستخباراتية بينهم.

وبين عامي 1949 إلى 1961 ترك قرابة 3 ملايين ألماني جمهورية ألمانيا الاشتراكية إلى ألمانيا الغربية، وحيث انهم كانوا في معظم الأحيان من الفئة المتعلمة، هدد ذلك القدرة الاقتصادية لألمانيا الشرقية، وكيان الدولة ككل. وكان وجود جدار برلين الوسيلة الوحيدة لمنع هذه الهجرة.

بني سور برلين عام 1961 بأمر من حكومة ألمانيا الديمقراطية الشعبية، ليكون ردع حماية من الفاشية (بحسب ادعاءات الحكومة الشيوعية)، في حين أطلق عليه اسم (جدار العار) من قبل الحكومة الغربية. خلال فترة بناء السور حاول أكثر من 100 ألف ألماني الانتقال من القسم الشرقي إلى القسم الغربي من برلين.

في عام 1989، بعد أكثر من 28 عاما على بنائهِ الذي أعتبر تقسيما لمدينة وشعب، كان سقوط جدار برلين من أبرز وقائع القرن العشرين وكان بداية انهيار الكتلة الشيوعية، سقط الجدار وسط أجواء من الفرح، لكن هل بسقوط جدار برلين اكتملت الوحدة الألمانية وانتهى زمن الحرب الباردة؟

في العراق وبعد عهد الجمهورية عام ١٩٥٨ تم بناء العديد من الاسوار بين السلطة والشعب، اسوار حقيقية وفي بعض الاحيان اسوار افتراضية جمدت العلاقة بين السلطة والشعب ووصلت به اليوم الى حالة طلاق شامل وخوف متبادل وانعدام للثقة.

جمهورية الخوف في عهد حكم حزب البعث وتحديداً فترة الرئيس المخلوع صدام حسين وصلت فيها الجدران السياسية والاجتماعية بين السلطة والشعب الى ناطحات سحاب افتراضية لا يمكن عبورها تخفي على جدرانها أنهارا من الدم والتضحيات العراقية.

الجدران الاجتماعية كذلك هي الاعلى بين الشعب العراقي، حيث تم تشييدها افتراضياً وحققت تنامي ثقافة الخوف وانعدام الثقة بين مكونات المجتمع العراقي المتنوعة إثنياً وعرقياً ومذهبياً ساهمت بفقدان الخطاب الوطني والابتعاد عن العيش المشترك وإلغاء المواطنة للفرد العراقي الذي أصبح كأنه يعيش في أوطان متعددة بدل الوطن الواحد!

إستبشر الكثير من العراقيين في مرحلة ما بعد الانتصار على الارهاب وإسقاط دولة الخرافة "داعش" وإستتباب الوضع الامني، حيث إجتهدت حكومة عادل عبد المهدي برفع "الصبّات الكونكريتية" بعد حملات شبابية على مواقع التواصل الاجتماعي وفتح صفحة جديدة بين السلطة والشعب وامكانية التواصل المباشر وسماع افكار الشباب والمثقفين، لكن ما حدث بعد أقل من عام كان مؤسفاً جداً، حيث عادت الحواجز بين السلطة والشعب اضعاف ما كانت عليه قبل رفعها، بل وصلت لمدن وقرى نائية في انحاء العراق بسبب فشل السياسات الاقتصادية للحكومات مجتمعة بعد ٢٠٠٣ مما سبب شرخا كبيرا بالعلاقة بينهما وفقدان شبه تام للثقة ومستقبل مجهول للعملية السياسية لا يستطيع أحد التكهن به!

علينا أن نفكر جدّياً بكيفية هدم الجدران الافتراضية قبل الجدران الواقعية لنصل لدولة المواطنة بلا أسوار يسودها العقل والمنطق لا الخوف والقمع.

ما حدث بعد بدء أكبر موجة احتجاج شعبي في تاريخ العراق الحديث، منذ الأول من تشرين الأول ٢٠١٩ وليومنا هذا أسقط الكثير من الجدران الواقعية والافتراضية، أسقط الكثير من الرموز والايديولوجيات التي تحكمت بالعراق خلال ١٠٠ عام بعد تأسيس الدولة العراقية.

وفي نفس الوقت بنيت جدران جديدة بين الشعب وحكامه رُوِيّت أسسه بدم الشباب المنتفض، بُنيّت جدران أخرى بين الشعب نفسه، حيث نشاهد انفصالا تاما بين الشباب المنتفض والنخب المثقفة والأكاديمية، وبين الأجيال العمرية المختلفة حيث الشباب في وادٍ والاجيال السابقة في وادٍ آخر!

نحتاج في الفترة المقبلة الى حوارات ولقاءات تمهد لعقد اجتماعي عراقي جديد يحوي جميع أطياف ومكونات وشرائح المجتمع العراقي يكون للشباب فيه دور بارز ومؤثر لقيادة العراق الجديد، حيث أن انتفاضة تشرين يجب أن تؤسس لعراق جديد إيجابي لا سلبي تكون لغة العقل والحوار فيه السمة البارزة.

كما يجب دعم الحراك الشبابي والمساءلة الشعبية بكل الإمكانات الفكرية والثقافية على مبدأ ثابت الا وهو السلمية والديمقراطية والابتعاد عن لغة التخوين والتسقيط، ففي النهاية الجميع عراقيون طالما أن الهدف هو بناء دولة حرة كريمة، وعدم فسح المجال امام من يريد للعراق السوء والخراب وجعله فقط ساحة للصراعات الإقليمية وتصفية الحسابات.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق