عندما كان القائد السوفيتي نيكيتا خروتشوف (1894-1964) يتبجح بأن الاتحاد السوفيتي السابق سوف يدفن الولايات المتحدة الامريكية يوما ما؛ لما يمتلكه القطب الشرقي –آنذاك-من قوة مرعبة مثلتها برامجه النووية والصاروخية والفضائية، وقدراته الحربية (الجوية والبرية والبحرية) وصناعاته الثقيلة ... وتمدده الأيديولوجي على مستوى العالم، فان خروتشوف وزملائه من القادة السوفييت بنوا حساباتهم في الصراع مع الغرب على صراع يتم حسمه يوما ما في ساحات القتال تُستخدم فيه كل صنوف الأسلحة.

وكانت قناعاتهم مبررة بنظرية الحتمية التاريخية في الانتصار وبزوغ نجم السيادة الشيوعية على العالم، لذا تجاهلوا كل الإشارات والدلائل التي تشير الى ان الحرب الحقيقية كانت تدور رحاها في مكان آخر قريبا جدا منهم، داخل مجتمعهم الذي يحكمونه ويظنون انهم مسيطرون عليه، حرب كانت أهدافها كسب المواطنين السوفييت، بانتزاع دعمهم لأنموذج الحكم ونمط الحياة الذي يعيشونه، وخلق حالة من التأييد والدعم والانجذاب الطوعي لأنموذج آخر يطرح نفسه على انه بديل أفضل، وهو الانموذج الغربي.

وهكذا غاب عن ذهن القادة السوفييت –آنذاك- ان السقوط والهزيمة يمكن ان يحدثا بصرف النظر عن حجم القدرات العسكرية ومقدار التقدم العلمي والصناعي وقوة الصرامة المبدئية، وذلك من خلال قدرات أقل تكلفة بكثير، ولكنها اقوى تأثيرا، تلك هي القدرات التي سماها جوزيف ناي بالقوة الناعمة، مثل الأفلام الامريكية، ومنها على سبيل المثال فلمي الشاطئ والدكتور سترينجلاف، وبرامج التلفزيون والاذاعات الموجهة كصوت أمريكا، والموسيقى الغربية، وغيرها من البرامج التي تعكس ثقافة الغرب المدعومة بسياساته المحلية والخارجية الذكية التي تغلغلت تأثيراتها الى عقول الناس في المعسكر الشرقي وجعلتهم في حالة مقارنة دائمة بين نمط حياتهم الاقتصادية الصعبة وما يعانونه من انغلاق ثقافي وسياسي، ونمط الرفاهية والانفتاح الذي يعيشه اقرانهم في الغرب. ومما زاد الامر سوءا حالة الاستنزاف الاقتصادي المستمر للقطب الشرقي الناجم عن هوسه باللحاق بالغرب والتفوق عليه في مجالات التصنيع وتطوير القدرات العسكرية ودعم الحلفاء ومحاولات التمدد الأيديولوجي.

لقد خسر الاتحاد السوفيتي السابق الحرب نتيجة تغافله عن ميدانها الحقيقي، فانهارت دولته وحلفائها بعد سبعين سنة وهي مدججة بكل أصناف الأسلحة القادرة على تدمير العالم مرات عديدة، عندما اكتشف مواطنوه الذين حكمهم ان حياة اعدائهم أفضل كثيرا من حياتهم، وحرياتهم وحقوقهم مصانة -أيضا- أكثر، وان التقدم الحقيقي لا تمثله قوة الأيديولوجيات والقدرات العسكرية، بل تمثله قوة القيم والمؤسسات التي تضمن حقوق وحريات الناس، وتجعلهم يعيشون حياة اكثر رخاء وسعادة بعيدا عن الخوف والأزمات والتطرف الفكري والسلوكي، والإرهاب السياسي.

ان أفضل تشبيه لسقوط القطب الشرقي السابق هو قصة النمرود التاريخية، فعندما تصور النمرود ان قوته المادية الظاهرية كانت كافية لهزيمة جميع اعدائه، تجاهل فكرة ان الهزيمة ربما تتم بطريقة مخالفة لما توقع، وعلى يد قوة لم يحسب حسابها، لذا سقط صريعا امام بعوضة صغيرة دخلت انفه وعجز عن الخلاص منها.

فالقوة الناعمة هي بعوضة النمرود القادرة على تدمير اية قوة مهما كان حجمها، لاسيما عندما تعجز هذه القوة عن توفير متطلبات المناعة والحماية منها، لا بغلق الأبواب والشبابيك، وخلق ستار حديدي صارم، كما فعل السوفييت سابقا، ولكن بتوفير مرتكزات قوة ناعمة حقيقية مضادة تجعلها، حقا لا شعارا، أنموذجا قادرا على الجذب والتأثير في الناس الذين تحكمهم، فضلا على اعدائها.

هذه المقدمة الطويلة –نسبيا- في الحديث عن التجربة السوفيتية السابقة فرضت نفسها على سياق الكلام عندما أردنا تحليل تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الحاضرة المثيرة للجدل، فإيران الدولة والتجربة الثورية وما تفرزه من صراع محتم مع اعدائها في الشرق الأوسط والعالم، تعيد –للأسف- خطأ الاتحاد السوفيتي السابق تماما، وبطريقة مثيرة للازدراء، فيما يتعلق بقواعد الصراع وادواته والتوقعات المرتكزة عليه، لذا يخشى على هذه الدولة والتجربة الثورية من السقوط والانهيار ولو بعد حين، كيف؟

إيران اليوم تبني توقعاتها في صراعها الشرق اوسطي والعالمي على أيديولوجية تؤمن بالثورة الدائمة والانتصار الحتمي، وتحاول الضغط على خصومها بإثارة هواجس الرعب والخوف من خلال تعزيز برامجها العسكرية في جميع المجالات، لاسيما النووية والصاروخية، فضلا على تطوير صناعاتها المحلية وتطوير اقتصادها، بشكل ما، ومحاولة التمدد أيديولوجيا بإيجاد الحلفاء على مستوى العالم، لكنهم في الغالب مجرد حلفاء صغار دون مستوى الدول، تتحمل طهران نتيجة دعمهم الكثير من الأعباء المالية والعسكرية والبشرية لإدامة زخمهم وتأثيرهم.

فضلا على ما تقدم، ان نظام الحكم الايراني في الداخل بقي منغلقا (ثقافيا وسياسيا) بشكل كبير امام الثقافات المختلفة والرأي الاخر المعارض، وما زاد الامر سوءا وجود عقوبات اقتصادية وصراع طويل مع خصوم أقوياء منذ أربعين سنة متواصلة جعلت الدولة الايرانية تعيش حالة استنزاف مستمر لمواردها وقدرات شعبها منعتها من تطوير نفسها الى انموذج معاصر للجذب (الفكري والقيمي والمؤسساتي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي) يمثلها ويمثل حلفائها الإقليميين، الذين عانوا ولا زالوا من الانقسام والضعف وعدم التطور السياسي، لأسباب ذاتية وأخرى مفتعلة من خصومهم.

ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كأيديولوجيا وخيارات مستقبلية ربما تبني توقعاتها على حسم المعركة مع خصومها عسكريا، لكنها ستكتشف مستقبلا ان هذه التوقعات مجرد أوهام، فمعركتها الحقيقية تجري داخل مجتمعها الذي تحكمه، وداخل المجتمعات التي تؤثر فيها، وهي معركة شديدة قائمة على زعزعة القناعة بما تمثله طهران كنظام حكم، ونمط حياة، وثقافة، وما يتولد عن كل ذلك من سياسات وعلاقات وقيم واحكام ومؤسسات واحلام وطموحات...وهذا ما لا يدركه القادة هناك او يتجاهلونه كما تجاهله زملائهم السوفييت من قبل.

فالمواطن الإيراني والمواطن في المجتمعات المناصرة لطهران يشكل ساحة الحرب الفعلية الأكثر شراسة وقوة، وهذا المواطن أخذت قناعته تتآكل بالأنموذج الايراني يوما بعد آخر، بسبب ما يعانيه هذا الانموذج من تخلف تعكسه البيانات الرسمية، فمؤشر البؤس لدى الشعب الإيراني وصل عام 2019 الى 39% (حسب مركز الإحصاء الإيراني-مؤسسة رسمية) والى أكثر من 53.2% في بيانات دولية. ومعدل البطالة بين الفئة العمرية التي تتراوح بين 15-29 وهي الأكثر شبابا وصل الى 21.2% (حسب مركز الإحصاء الإيراني)، وهناك تقارير دولية تشير الى انها أكثر من ذلك بكثير.

اما نسبة الفقر، فان أكثر من أربعين مليون إيراني عام 2019 يعيشون تحت خط الفقر، ومن المتوقع ان يقفز الرقم مع نهاية السنة الإيرانية الحالية في اذار –مارس القادم الى 57 مليون إيراني، وان 55% من الاسر الإيرانية الحالية تعيش تحت خط الفقر (حسب تصريحات لجنة الخميني الاغاثية لشؤون التوظيف والاكتفاء الذاتي-مؤسسة إيرانية شبه حكومية). فضلا على ما تقدم من بيانات صادمة، تجد ان نمو الاقتصاد الإيراني كان سلبيا بنسبة 5% عام 2018، وارتفعت هذه النسبة لتصبح 9.5% عام 2019، وعانت إيران جراء ذلك من انكماش اقتصادي مخيف لتحتل المرتبة الثالثة كأكبر انكماش اقتصادي في العالم بعد فنزويلا وليبيا (حسب بيانات صندوق النقد الدولي).

وقد انعكست هذه البيانات سلبا على المواطن الإيراني الذي يعاني-كذلك- من تصاعد في معدلات التفكك الاسري والجريمة وتعاطي المخدرات، لاسيما بين فئتي الشباب والأطفال، حتى بدأت موجة متصاعدة من حركة لجوء الإيرانيين للخارج، فبلغ عدد اللاجئين عام 2018 فقط 130.000 إيراني، والرقم في تصاعد مستمر.

إزاء هذه البيانات المخيفة لن تشعر بغرابة عندما تتجول في المدن الإيرانية وتجد ان الكلمة الأكثر انتشارا بين المواطنين الإيرانيين هي ليست كلمة الموت لأمريكا او إسرائيل او الطاغوت، كما قد يروج الاعلام هناك، بل هي كلمة (يك دزد) التي تعني لص، والتي يتهم فيها المواطن الايراني حكومته والمسؤولين فيها بأنهم سراق ويحملهم مسؤولية المعاناة التي يعيشها، كما ستسمع الكثير يقول لك (آخوندهاى يك دزد)، التي تعني شيوخ لصوص، قاصدين بذلك طبقة رجال الدين الذين يحكمون في بلادهم، كما تجد الكثير من كبار السن ممن عاشوا في عهد الشاه (قبل عام 1979) يقارنون بين أوضاع بلدهم اليوم واوضاعهم سابقا، ويحاولون الانتقاص من نظام حكمهم الحالي بالقول: كنا في زمن الشاه أفضل.

هذا الرأي العام الناقم على السياسات المحلية والدولية لطهران لدى شعبها والشعوب المناصرة لها ليس نسجا من الخيال، بل يمثل حقائق على الارض شاهد الكثير منها كاتب هذا المقال بنفسه، وتجد دلائلها المؤكدة في الاحداث الأخيرة التي عاشتها طهران والشعوب المناصرة لها في العراق ولبنان.

وبالتركيز على الشعب الايراني يمكن القول: انه كل ما كان الاحتقان الشعبي شديد، كلما كانت ردود افعاله متوترة وعاطفية وسريعة وعنيفة اتجاه أي موقف او سياسة تتخذها حكومته، لذا تجد ان حكومة طهران عندما رفعت أسعار البنزين في منتصف تشرين الثاني-نوفمبر 2019 بنسبة 300% كانت ردود الناس سريعة وعنيفة تجسدت بمظاهرات بدأت في الخامس عشر من الشهر نفسه وامتدت خلال أسبوع فقط لأكثر من مائة مدينة إيرانية، وتم فيها احراق اكثر من 73 فرعا بنكيا، و140 مبنى حكوميا ولم تسيطر عليها الحكومة الا من خلال غلق وسائل التواصل الاجتماعي، ناهيك عن حملة قمع شديدة خلفت مئات القتلى والالاف الجرحى والمعتقلين(النسب مختلفة بين بيانات الحكومة الإيرانية وبيانات المنظمات الدولية ذات العلاقة الا انها تبقى كبيرة رغم ذلك)، ورُفعت فيها شعارات تستهدف قلب النظام، كشعار "الموت للديكتاتور" و "لا غزة ولا لبنان روحي فداء لإيران".

ثم تكررت مثل هذه الردود المنفعلة والغاضبة على الحكومة والنظام في طهران بعد اسقاط الطائرة الأوكرانية من قبل قوات الدفاع الجوي الإيراني، نتيجة خطأ في التقديرات، ليلة الثامن من كانون الثاني-يناير الجاري، اثناء قصف طهران لقواعد واشنطن في العراق ردا على مقتل القائد قاسم سليماني. فعلى الرغم من ان مقتل الأخير اظهر كما هائلا من التلاحم والحزن الوطني، الا ان مجرد اعتراف الحكومة الإيرانية بمسؤوليتها عن اسقاط الطائرة الأوكرانية كان كافيا لإطلاق موجة جديدة من التظاهرات شملت مدن عديدة وشاركت فيها عدد من الجامعات الإيرانية.

نستدل من كل هذه الوقائع وغيرها، ان نظام الحكم في طهران، وإن حقق انتصارات عسكرية، وتمدد نفوذه في عدد من البلدان، الا انه يفقد تدريجيا قوة جذبه وتأثيره على مواطنيه وانصاره في البلدان الأخرى، أي انه يخسر في ميدان الحرب الفعلي بشكل لا يعوضه أي انتصار في الميادين الثانوية، وان مؤشرات الاحداث الأخيرة، تدل دلالة غير قابلة للشك، ان الداخل الإيراني يعيش بواكير ثورة ما، هي لا زالت ثورة خفية، ولكن ما لم تعيد طهران حساباتها في سياساتها المحلية والدولية، وتلتفت بعناية أكبر الى ميدان حربها الحقيقي، لاستعادة ثقة الناس بها، وانجذابهم الى انموذجها، فان الثورة الخفية لن تلبث طويلا حتى تتحول الى ثورة علنية حقيقية تطيح بكل ما يمثله النظام هناك وفي الشرق الأوسط، لاسيما ان تاريخ ايران الطويل يشهد على ان نقطة ضعف أي نظام حكم في هذا البلد كانت دائما هي الانقلاب او الثورة من الداخل.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق