بعد مرور مائة يوم منذ اندلاع حركة الاحتجاجات في العراق بتاريخ 1/10/2019، تحولت اليوم الى طور النزاع في وقت لازال متاحا أمام تدارك التبعات السلبية بالنسبة لشعب طالب بحقوقه المسلوبة، وبنفس الوقت فإننا نحذر من انتقال المرحلة بشكل معقد أكثر يكون فيها العنف سيد الموقف واليوم بعد أن أصبحت البلاد ساحة للجهات الفاعلة الإقليمية والدولية المتحاربة أفضت الى ممارسات بشعة من قتل وخطف واعتقال في وقت هناك مخاوف من"الانهيار" الاقتصادي في حال فرض عقوبات دولية مهددة.

لماذا يصير السياسي اليوم على مخالفة من يمنحه الشرعية وهم أفراد المجتمع؟! ولو وجه سؤال لكل مواطن اليوم من المؤكد سيقول ان شرعية الحكم اليوم غير متوافرة لمعظم القوى السياسية وما هي الا شرعية شكلية تأتي بها القوى السياسية من خلال نصوص قانونية وجماعات ترهب المحتج. وبرغم كل ذلك بقت حركة الاحتجاجات سلمية وظل العنف محتكرا على الدولة وعلى جماعات معينة بحيث يظهر هذا العنف عند أوقات معينة أيضا.

بلد غني لكنه منقسم

كل نضال سياسي يبدأ بتضحية قادته من أجل الجماهير، ويتمنى قادة هذا النضال أن يضحوا بأنفسهم حفاظا على حقوق الناس لتتحقق دولة حديثة. ثمة هنا في العراق آلة للقتل وهي السياسة التي يمجدها السياسي ويجعلها مبررا لقتل الناس وظلمهم. ربما يرجع سبب ذلك الى عدم قدرة هذا البلد الغني المنقسم بعمق على دعم الديمقراطية وكون نخبته السياسية والاجتماعية لم تفهم الى الان كيف تدافع عن هذا المشروع الكبير.

ولو عدنا الى تجربة ليست غريبة بل يتغنى بها جميع النخب وفي الوقت ذاته أصبحت ملهمة وتجربة عظيمة كما حصل في الهند حيث يقول الفيلسوف والعالم الاقتصادي الهندي (أمارتيا سين) "ظهرت الثقافة في الهند لما تحمله من استعداد نابع من تقاليد التسامح السياسي الديني لدعم الديمقراطية".

أما لو تحدثنا عن تأثير الاستعمار والاحتلال فمن المؤكد هناك تحديات خطيرة تندرج تحتها ما ينقله المحتل من قوانين وتناقضات في الثقافة السياسية للبلد المحتل. وحتى الهند التي ذكر مثلها استطاعت برغم تعدديتها أن تؤسس لثقافة الديمقراطية والتعاون والاعتدال واضعة الحلول أمام الخلافات في المعتقدات وكذلك في الرأي، وساهمت بحل الصراعات بين المصالح والتنافس من خلال طرق سلمية وقانونية.

في تجربتنا الديمقراطية الفتية ثمة عوامل مشتركة تؤهلنا وتجسدها الآية الشريفة التي تقول (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...) فنحن اليوم بحاجة الى الواقعية والمرونة في تجاوز كل ما هو مؤدلج وان تكون الاحزاب فيما بينها من جانب وبينها وبين الجماهير من جانب آخر على قدر عال من الاحترام وتقبل الاختلافات بنحو يدعم الديمقراطية.

وبعد عام 2003 وما حصل من تغيير سياسي كان العراق محظوظا بمثل نظام فريد بين دول المنطقة لكن ما ينقصنا اليوم تجذر قواعد الديمقراطية بين أوساط النخبة لتمتد وصولا الى الجماهير. فمع تشكيل الأحزاب عام 2003 في العراق بما نراه اليوم بعد ان تم منحها حقوقا سياسية بصلاحيات كبيرة وتفويض في الانتخابات ظهرت المحاصصة والطائفية التي تغذيها التدخلات الخارجية.

العراق بات قلقا من فقدان الرمز الذي باستطاعته التأثير على النخبة بحيث يحولها الى حركة حديدية قادرة على دعم الديمقراطية، أما في الجانب المقابل أن يكون هذا الرمز جاذبا للطبقات الاجتماعية نحو الوعي السياسي بحيث يكون نظام مؤسسي متين.

انه لوحة جميلة بطوائفه ومكوناته ففي ظل هذا التنوع الذي أصبح مع شديد الأسف محل خلاف وانقسام وخطرا على الديمقراطية يجب أن يحول الى قوة قادرة تدير خلافاتها بشكل إيجابي من خلال النقابات والمؤسسات والجمعيات والكيانات الاجتماعية.

ان احياء الروح المدنية بشكل مفعم للحياة من المؤكد سيلعب دورا أساسيا في عدم استغلال السلطة، والعمل على الحد منها ويغني الديمقراطية أيضا. فالمجتمعات باستطاعتها أن تتجاوز بقنواتها العشائرية ومؤسساتها وجامعاتها كل شيء من شانه أن يعكر صفو التعايش، ولنا تجربة شخصية بذلك من خلال ما اقيم من برامج حوارية وزيارات ميدانية لمختلف مدن العراق واللقاءات المستمرة مع مختلف الشرائح فإنها فعلا تجسد كل معاني التعايش خصوصا بعد الاستماع للآخر والانفتاح عليه بحضور النية الصادقة والهم بإيجاد حل حقيقي.

الوعي الجماهيري والنقابي قادر على ان يوفر نشاط كبير للتنمية الشخصية من جانب والتنمية الجماعية من جانب آخر وسيشكل حراكا واسعا بحيث يقاوم الفساد الذي نشكو منه باستمرار وهو سبب مأساتنا يكون المواطن مشاركا لمحاربة هذا الفساد في كل مرفق من مرافق الحياة فمن المؤكد بأن هذا النوع من الوعي سيشجع الجميع على ذلك. ولاشك ان وجود المنظمات بمختلف توجهاتها العلمية والخدمية التي تعنى بالتنمية، فإنها ستساهم في حل الكثير من المشاكل الاجتماعية التي تهدد الديمقراطية وخصوصا اذا كانت ناشئة.

من خلال ما ذكر نستخلص عدة مهام تقع على عاتقنا من أهمها تنمية الجيل الجديد فانه قادر على ترك النزاعات والصراعات التي تجره كأدوات لتغذية التوترات. وبرغم الاتهامات الموجة للمحتجين بالنظر الى انها غير واقعية في ظروف سياسية واقتصادية مربكة. مع ذلك أظهرت رغبة المواطن في الحصول على دولة. انها فعلا تظاهرات مهمة لترك أي انقسامات أو خطاب متشدد. لذا يتوجب على الجهود أن تركز على أهداف يمكن الوصول اليها للإصلاح السياسي تتوافق مع درجة الأثر الفاعل للتحديات الاقليمية في سياسات دول المنطقة. واليوم باتت المشاكل في البلاد واضحة ويبقى الحل مطلوب من أجل إقامة نظام سياسي يواكب الحقائق الاجتماعية والاقتصادية المتردية.

نحن اليوم بحاجة الى حل متفق عليه للصراع في الداخل العراقي يركز على النظام الاجتماعي ويعزز مفاهيم التنشئة السياسية ونبذ العنف وتقبل الاختلاف وتحمل المسؤولية والثقة المتبادلة والتضحية والاراد الصلبة لبناء عراق بعيدا عن "الغرباء".

*كاتب صحفي

انقر لاضافة تعليق