أعلنت ايران على لسان متحدثها الرسمي في الأمم المتحدة (مجيد تخت روانجي) انتهاء عملياتها الانتقامية ضد واشنطن ردا على قتل الاخيرة لقائدها العسكري الأبرز (قاسم سليماني) في الثالث من يناير-كانون الثاني الجاري، بعد اطلاقها في وقت سابق من فجر يوم الأربعاء الثامن من الشهر نفسه لأكثر من 12 صاروخ بالستي متوسط المدى من مدينة كرمنشاه الإيرانية باتجاه قاعدتي أربيل وعين الأسد العراقيتين اللتين تضمان عددا كبيرا من القوات المسلحة الأميركية الى جانب قوات عراقية وقوات من بلدان أخرى تعمل في اطار ما يسمى بالتحالف الدولي الذي تم تشكيله لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بعد عام 2014 دون ان تسفر العملية عن أي ضحايا في صفوف قوات التحالف والقوات العراقية.

لقد جاء في تصريح (روانجي) قوله: "عمليتنا كانت متكافئة مع مقتل قاسم سليماني، وتم انهاؤها"، وأضاف: " في حال عدم اقدام الولايات المتحدة على أي إجراءات عسكرية ضد إيران لن نقوم نحن من جانبنا بأي خطوات من هذا النوع".

وفي الساعة الرابعة بتوقيت غرينتش من اليوم نفسه رد الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) على الهجمات الإيرانية بخطاب موجه الى الشعب الأمريكي استبعد فيه استخدام الخيار العسكري ضد إيران، وفضل دراسة فرض عقوبات اقتصادية جديدة، مع إبقاء الباب مفتوحا بين البلدين لإجراء مفاوضات جديدة بدون شروط مسبقة من واشنطن.

يبدو من خلال هذه المواقف ان الازمة الحالية بين واشنطن وطهران في طريقها الى التهدئة وخفض التصعيد، وهذا خبر جيد يصب في مصلحة الجميع، ولكن السؤال المطروح في ظل الوضع الحالي هو من الرابح والخاسر من الاحداث الأخيرة التي شهدها العراق؟

ان النتيجة التي خلصت اليها الازمة الحالية بين إيران والولايات المتحدة تبدو سعيدة للبلدين، فقد اثبتا عقلانيتهما وقدرتهما على التمتع بضبط النفس وعدم الانجرار الى التورط بحرب شاملة مباشرة بينهما، فكل شيء مقبول ويمكن توقعه من قبلهما الا خيار الحرب.

وحقق الطرفان أرباح كبيرة من التصعيد الأخير بينهما، اذ استطاعت واشنطن ارسال رسالة واضحة لطهران وحلفائها في المنطقة والعالم، بانها مستعدة للإقدام على أفعال غير متوقعة وجسيمة الضرر ضد اي طرف يهدد مصالحها أو حياة مواطنيها، واثبتت مصداقيتها بقتلها لقاسم سليماني ومن معه ردا على محاولة اقتحام سفارتها في بغداد بتاريخ 31 ديسمبر كانون الاول 2019، وجعلت هذا الأمر خطا احمرا سيعزز قدرتها في ردع خصومها ويحملهم على التفكير مرات عديدة قبل الاقدام على أي فعل من هذا القبيل.

كذلك، استطاعت واشنطن التخلص من قيادة عسكرية سببت لها المشاكل خلال سنوات طويلة، في العراق والشرق الأوسط، مثلها كل من قاسم سليماني وابي مهدي المهندس، بعملية سريعة ومباغتة لم تكلفها الكثير، وكأنها تريد ان تخبر جميع القيادات الشرق أوسطية المعادية لها، ان تخلصها منهم سيكون أسهل من تخلصها من سليماني والمهندس، وهذا سيعني الكثير لهذه القيادات في عدائها المستقبلي للولايات المتحدة. فضلا على ما تقدم، عززت واشنطن صورتها بنظر حلفائها الشرق اوسطيين والاوربيين، كقوة عظمى لا تهاب الاقدام على المخاطر، عند الضرورة، ولا تسمح بالتجاسر عليها.

اما على مستوى الداخل الأمريكي، فيبدو ان الرئيس الأمريكي (ترامب) وجد في الاحداث الأخيرة فرصة لزيادة شعبيته لدى شيوخ ونواب حزبه الجمهوري، ولدى مناصريه من عامة الشعب، واستطاع احراج مناوئيه في الحزب الديمقراطي والضغط عليهم في سنة انتخابية، كما سيؤثر ذلك –نوعا ما- على إجراءاتهم الجارية لمحاكمته. نعم، ربما لم تصل الأمور الى درجة الحسم، ولكن كانت لها أصداء جيدة لصالحه في وقت يحتاج اليها.

طهران من جانبها كسبت الكثير –أيضا- فقد اثبتت لواشنطن انها خصم عنيد قادر على خلق مشاكل جمة لمصالها الحيوية ومواطنيها في الشرق الأوسط، فضلا على قدرته على الاضرار بحلفائها المباشرين في تل ابيب والخليج العربي، ناهيك عن قدرته على تحريك حلفائه في العراق وبلدان أخرى ضد أمريكا وحلفائها، وانه مستعد للتصعيد الى مستويات عالية وجريئة عند الضرورة، عزز القناعة بها من خلال ضرب الوجود الأمريكي في قاعدتي أربيل وعين الأسد.

نعم، قد لا تكون صواريخ طهران أحدثت اضرارا بشرية مباشرة، ولكنها حققت نصرا معنويا كبيرا، جعلت العالم ينظر اليها كلاعب إقليمي كبير، غير متهور، وقادر على ضبط نفسه واللعب بشكل متكافئ يحمي مصالحه ومصالح بلدان العالم الأخرى، وهذا يسمى في العلاقات الدولية تعزيز السمعة الدولية للدولة، وترسيخ مصداقيتها في رسم السياسة الدولية، وستكون لذلك نتائج إيجابية طيبة في المستقبل على أي مفاوضات تجريها طهران مع واشنطن وحلفائها الاوربيين.

اما على مستوى الداخل الإيراني، فيبدو ان الازمة وفرت فرصة مذهلة للقيادة الإيرانية للتخلص من تبعات قمعها الدموي العنيف للاحتجاجات الشعبية الاخيرة التي اندلعت في الخامس عشر من نوفمبر-تشرين الثاني 2019 واستمرت حينها اكثر من أسبوع، وشملت اكثر من مائة مدينة إيرانية، وتركت المئات من القتلى والجرحى، وآلاف المعتقلين. لقد زعزعت الاحتجاجات في وقتها ثقة الشعب بالسلطة، وزادت من احتقان شارع شعبي محتقن أصلا، ولكن ذكاء القيادة الإيرانية، واستثمارها لفرصة مقتل سليماني سمح لها باستعادة ما فقدته من شعبيتها، واستطاعت مراكمة رصيدها بتوحيد الشارع أكثر خلف خطابها، ولا سيما خطاب الجناح المتشدد فيها، وهذا سيعطيها رصيدا رمزيا كبيرا ستستثمره بذكاء لتعزيز شرعيتها بنظر مواطنيها، بل والضغط أكثر على معارضيها في داخل إيران وخارجها، يمكن تلمس ملامحه في الأسابيع والشهور القادمة.

وإذا خرجت طهران وواشنطن من الازمة الأخيرة بينهما رابحتين، فمن الخاسر الحقيقي فيها؟

ان الخاسر الأكبر في هذه الازمة هو العراق الذي جرت على ارضه الاحداث بطريقة هزلية مثيرة للسخرية، فقد فقدت الدولة العراقية سمعتها الدولية كدولة صاحبة سيادة وقدرة على السيطرة على الاحداث التي تجري فيها، وهذا اعطى انطباعا كبيرا لدول جوار العراق ودول العالم الأخرى، بان مصالحهم ومواطنيهم في هذا البلد لا يمكن حمايتها، مما سيجعلها اكثر حذرا وخوفا عند تعاملها مع حكومته سواء على مستوى الاستثمار والسياحة وتبادل العلاقات الثقافية والشعبية او على مستوى بناء السياسات والاحلاف والمواقف الإقليمية والدولية، بل ان الاحداث الأخيرة، وطريقة معالجتها من قبل السلطة في بغداد اضعفت بدرجة كبيرة قدرة المفاوض العراقي المستقبلية حول أي قضية يكون العراق طرفا، وسيؤثر ذلك سلبا على المصالح العليا للعراق؛ لكونه سيكون الطرف الأضعف في أي معادلة شرق أوسطية مستقبلية.

وعلى المستوى الداخلي، فشلت حكومة بغداد والقوى السياسية العراقية في منع القوى الخارجية من التدخل في شأنها الداخلي، وجعلت مواقفها مجرد أصداء لمواقف خارجية، حتى بات حديث العراقيين العام يصور رئيس وزرائهم على انه "ساعي بريد" ينقل الاخبار بين واشنطن وطهران حول مكان وزمان ضرب كل طرف للطرف الآخر، ويتحدث بعضمهم في وسائل التواصل الاجتماعي عن العراق كدولة تمثل "جسر للطيبين" باللهجة العراقية، بمعنى انها المكان الذي تتم فيه تصفية الحسابات الإقليمية والدولية بدون الخشية من مواقف حكومته الوطنية؛ نتيجة ضعفها وعدم قدرتها على حماية سيادتها.

لقد حاولت الحكومة والقوى السياسية في العراق التخلص من ضغط احتجاجات الشارع الشعبي الغاضب والتي بدأت منذ الأول من أكتوبر-تشرين الأول 2019، ولا زالت مستمرة الى الوقت الحاضر، بخلق الكثير من العراقيل، التي كان العنف المميت واحدا منها، كما حاولت بشتى السبل استعادة ثقة الشارع بها، ومن ثم استعادة جزء من شرعية وجودها، الا انها فشلت في كل ذلك، وان دخول العامل الخارجي (صراع طهران وواشنطن) وما انتهى اليه من نتائج زادت الهوة بين الشارع الشعبي والسلطة من جهة، وعززت الانقسام داخل القوى السياسية الرئيسة (شيعة، سنة، كورد) من جهة أخرى، وبدأ العراقيون لا يثقون بقدرة حكومتهم وقواهم السياسية في المحافظة على حياتهم ومصالحهم وهيبة دولتهم، كما لا يثقون بحياديتها واستيعابها لمتطلبات المرحلة.

وهذه الفجوة ستزداد مستقبلا كثيرا، مع استفحال مشاكل المواطن المجروح في وطنيته والمنكوب في بنيته التحتية، وتدني مستويات رفاهيته، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والجريمة العادية والمنظمة والتواجد المسلح خارج سلطة القانون، واستفحال آفة الفساد والاستئثار بالسلطة والتدخل الخارجي وغيرها، وستكون لذلك عواقب وخيمة على الاستقرار السياسي والأمني في العراق، تزداد مخاطره مع عدم قدرة الحكومة والقوى السياسية على تدارك أزمة الاحتجاجات الحالية واتخاذ مواقف حاسمة لإنهائها بشكل يقنع الشارع الشعبي الملتهب.

لقد خرجت واشنطن وطهران منتصرتين من التصعيد الأخير بينهما؛ لكونهما أدارا اللعبة بمنطق الدولة، ووحدة القرار السياسي والعسكري، وخرج العراق مهزوما مأزوما وأكثر انقساما؛ لكونه أدارها بمنطق السلطة والانقسام والفوضى، وستبقى بغداد تحصد الهزائم والمآسي طالما ان مشروع الدولة خارج سياق تفكير نخبها السياسية والعسكرية والدينية والمدنية.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق